أعدادك المجانية

الرئيسية / المقالات

تصنيع موافقة الجماهير

الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام الجماهيرية

بقلم : إدوارد هيرمان 2025-03-18

كيف تشكِّل وسائل الإعلام الإدراك والسلطة؟  
وسائل الإعلام ليست مجرد مصدر للأخبار؛ إنها قوة مؤثرة تصوغ القيم المجتمعية والمعتقدات، وتلعب وسائل الإعلام دوراً أساسيّاً في ترسيخ مصالح القوى المسيطرة، رغم ادعائها أنها حارس للديمقراطية، كما تُوجّه وسائل الإعلام الرأي العام لدعم النخب الحاكمة وضمان استقرار الوضع القائم من خلال التحكم بالسرديات وتصفية المحتوى، وبينما تقدِّم وسائل الإعلام نفسها كمنبر للحقيقة، تسهم بشكل فعّال في تعزيز الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ما يجعلها أداة قوية للحفاظ على النظام القائم تحت غطاء الحيادية والموضوعية.  
نموذج الدعاية الإعلامية  
تعمل وسائل الإعلام ضمن إطار دعائي يقدم المعلومات بما يخدم مصالح الطبقات المهيمنة، إذ يُسيطر عليها عدد محدود من المؤسسات الكبرى التي تسعى لتحقيق الأرباح، فيدفعها لتجنب نشر قصص قد تهدِّد مصالحها السياسية أو الاقتصادية، كما أن الاعتماد الكبير على الإعلانات كمصدر رئيسي للإيرادات يُقيِّد المحتوى الذي قد يُزعج المعلنين، ما يؤدي إلى علاقة تبادلية بين وسائل الإعلام والرعاة التجاريين.
تعتمد وسائل الإعلام بشكل كبير على مصادر الأخبار الحكومية والمؤسسات الكبرى لتغذية محتواها بشكل مستمر، هذه المصادر غالباً ما تقدم المعلومات بأسلوب يخدم مصالحها، ما يجعل من الصعب على الأصوات المستقلة أو المعارضة المنافسة بسبب نقص الدعم والموارد، والنتيجة هي أن السرديات التي تصل إلى الجمهور تُصمَّم لتُعزِّز الهياكل القائمة، بينما تُهمِّش الآراء البديلة وتُبقيها على الهامش.
وهم الموضوعية  
أحياناً تظهر وسائل الإعلام وكأنها تُحاسب السلطة، لكن ذلك يحدث فقط عندما تتصادم مصالح النخب فيما بينها. على سبيل المثال: تناول وسائل الإعلام لفضيحة ووترغيت بشكل مكثف، لكنه لم يتطرَّق إلى النظام السياسي العام.
وسيلة أخرى تُستخدم لتثبيت السرديات هي الاعتماد على "خبراء" يتم تقديمهم كجهات محايدة، هؤلاء الخبراء غالباً ما يكونون مرتبطين بمؤسسات قوية تعزِّز وجهات النظر التقليدية تحت غطاء التحليل الموضوعي، وفي السياق الدولي يتم تصوير الدول الحليفة بإيجابية، بينما يتم انتقاد الدول الغريمة بشدة، ما يخلق صورة أحادية تعزِّز الانقسامات الأيديولوجية وتُبقي الجمهور ضمن رؤية محددة تخدم مصالح النخب.
تداعيات الانحياز الإعلامي  
يتجاوز تأثير انحياز وسائل الإعلام تغيير آراء الأفراد، فمن خلال التحكم بالسرديات تضفي وسائل الإعلام الشرعية على السياسات التي تديم الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، كما أنها تحدِّد من تُروى قصته، ومن تُعتبر حياته ذات قيمة، وما يستحق أن يكون موضع اهتمام الجمهور.
على سبيل المثال: تُغطي وسائل الإعلام السلبيات والأزمات في الدول الغريمة بتفصيل، بينما تُقلِّل أو تُهمل نفس الأفعال في الدول الحليفة. هذا التناقض يخلق ما يُعرف بـ"الاستنكار الانتقائي"، حيث يُمنح الألم قيمة فقط عندما يخدم الأجندات السياسية.
علاوة على ذلك، يسهم الإعلام في ظهور "القبول المُصنَّع"، حيث يتم دفع الجمهور دون وعي لدعم سياسات النخب من خلال التكرار والإقصاء، إذ يتم تصوير الأصوات الناقدة كأصوات هامشية أو غير شرعية، ما يجعل المعارضة تبدو غير فعالة أو غير ضرورية، وبمرور الوقت تُعاد صياغة القيم الاجتماعية لتتماشى مع النظام القائم، ما يجعل الفجوات وعدم المساواة تبدو طبيعية أو حتى حتمية.
دور الإعلام الحقيقي  
لإعادة الإعلام إلى دوره الأساسي كمنبر يخدم الجمهور، يجب التعامل معه بوعي نقدي، وإدراك انحيازاته والسعي وراء مصادر متنوعة ومستقلة يُمكِّن الأفراد من تحدِّي السرديات السائدة.
ينبغي أيضاً تعزيز الصحافة المستقلة ومنصات الإعلام البديلة التي تمنح مساحة لوجهات نظر جديدة. هذا يتطلَّب كسر احتكار ملكية وسائل الإعلام الكبرى ودعم المبادرات التي تُعزِّز الشفافية والمساءلة. يجب أن تكون هناك جهود منظمة لتثقيف الجمهور حول كيفية تحليل الأخبار والتفرقة بين الحقائق والدعاية.
يمكن تقليل تأثير الإعلانات التجارية في وسائل الإعلام من خلال زيادة التمويل العام الموجه نحو دعم المؤسسات الإعلامية التي تخدم الصالح العام، هذه الإجراءات لن تكون ممكنة إلا بضغط من المواطنين الذين يدركون أهمية دور الإعلام في تشكيل مجتمع أكثر عدلاً وشمولاً.
مستقبل الإعلام والمجتمع  
الإعلام الذي يخدم النخب فقط يؤدي إلى تآكل الديمقراطية ويُثبِّط المشاركة الشعبية، بدلاً من ذلك يجب أن يتحول الإعلام إلى أداة تمكين تعزِّز القرارات المستنيرة والمشاركة الفعالة. عندما يتم تحرير المعلومات من تأثير القوى المهيمنة، يمكن للإعلام أن يصبح قوة نحو التغيير الإيجابي.  
يمكن للمجتمع أن يستعيد السيطرة على دوره في صياغة مستقبله من خلال مواجهة التحديات التي يفرضها الإعلام المنحاز والعمل على بناء أنظمة إعلامية تركِّز على العدالة والإنصاف. 
للمزيد يمكنك الاطلاع على ملخصات كتب مشابهة مقروءة PDF أو ملخصات كتب صوتية Audio على منصة إدارة.كوم، كما يمكنك استخدام إدارة شات بوت Edara Chatbot باللغتين العربية والإنجليزية لسبر أغوار ومصادر ومحتوى إدارة.كوم:

تأليف:
• إدوارد هيرمان: اقتصادي ومحلل إعلامي متخصص في دراسة تأثير الدعاية في المجتمع. 
• نعوم تشومسكي: لغوي وناشط سياسي معروف بانتقاداته للإعلام والسلطة.

Title: Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media
Authors: Edward Herman & Noam Chomsky
Publisher: Knopf Doubleday Publishing Group
Pages: 480
ISBN: 978-0375714498

بقلم : إدوارد هيرمان