الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

نقطتنا الحلوة

بقلم : د. الباهي جاد 2021-03-10

أحضِر ورقةً وقلماً، لتنطلق معي في أهم رحلة حياتية ستعيشها.
"كلٌّ ميسرٌ لما خلق له" قالها نبينا -صلى الله عليه وسلم - منذ أكثر من 1400 عام؛ ليفرض علينا تساؤلاً ملحّاً لإعادة مجد هذه الأمة: هل اكتشف كلٌّ منا ما يُسِّر له وأُعِدَّ من أجله ليسدَّ الثغور؟ لنستعرض معاً بعضاً من المقاربات العلمية للإجابة عن هذا السؤال.
نبدأ الرحلة بكتاب "Value Proposition" الذي ترجمته دار "جبل عمان" بالأردن، ويشرح "نقطتنا الحلوة" ويصوِّرها كتقاطع ثلاث دوائر:
  • دائرة الاهتمامات أو (ما يثير حماستك).
  • الشخصية أو (الطريقة التي تحب أن تعمل بها مع الآخرين وتتواصل بها).
  • القدرات والمواهب الطبيعية والمهارات المكتسبة، أو (ما يمكنك أن تفعله بسهولة).
وقبل ذلك بخمسة عشر عاماً رسم لنا "ستيفن كوفي" عبر كتاب "العادة الثامنة" ملامح الاتجاه الحياتي الجدير بأن نقضي حياتنا فيه؛ وهو تقاطع مبادئنا وضميرنا مع احتياجاتنا المادية والمعنوية ومواهبنا (نقاط قوتنا أو ما نجيد فعله)، ثم شغفنا (ما نحبه ونستمتع به)، وقد علَّق عليه صديقي الدكتور "رأفت الغيطاني" أستاذ تقويم الأسنان بالأزهر قائلاً: "هو شرح علمي لحديث؛ كلٌّ ميسرٌ لما خلق له".
وفي القصة الرائعة "ثاني لفة شمال" يرسم لنا الكاتب الدكتور/ أمجد الجنباز خريطة المسار المهني للحياة واستكشاف موطن نبوغنا فيقول إن مخزن الأعمال، وكل ما مارسناه في حياتنا يمر عبر ثلاث مصافٍ أو مرشِّحات هي: مصفاة القدرات (بتدرُّجها من ممتاز  إلى ما لا أعرفه)، ثم مصفاة الرغبات (وتتدرَّج من ممتعة إلى كريهة)، ثم مرشِّح أو فلتر (التخصُّصات). ويذكِّرني الدكتور /أمجد برواية (الخيميائي) للكاتب العالمي "باولو كويلهو" التي درَّستها للطلاب والمتدرِّبين في مراحل مختلفة، فكنت أطلب منهم تقديم عروض تدور حول المعاني التي أشار إليها "كويلهو" ليصبح أغلبهم بعد سنوات؛ مهنيين رائعين وأمهات مبدعات.
ونصل إلى المحطة الأشمل في دراسات "نقطتنا الحلوة"، حيث كتاب "إكيجاي" IKIGAI الذي كشف أسرار المعمرين في اليابان وفتح مدخلاً لحياتنا الطيبة حيث تتقاطع دوائر أربع كما يلي:
  1. دائرة ما نحب: الأفعال والأفكار التي أحببناها عبر السنين لتشكِّل ذاكرتنا الحلوة.
  2. دائرة العمل الذي نتقن ونحسن: ما تعلَّمناه واجتزنا فيه دورات متقدِّمة وما علَّمناه لغيرنا.
  3. دائرة ما نتقاضى عليه أجراً: الوظائف المتاحة والأنشطة المربحة والتي نتدرَّج فيها من مقبول حتى ممتاز.
  4. دائرة ما يطلبه العالم: من مهن ملحَّة وثغور فارغة ونقلات تنتظر من يحدثها.
وهكذا يمثل تقاطع د1 مع د2 (شغفنا) وتقاطع د2 و د3 (احترافنا) وتقاطع د3 و د4 (وظيفتنا) وتقاطع د4 ود1 (رسالتنا)، بينما يشكِّل تقاطع الدوائر الأربع (نقطتنا الحلوة).
والآن، هات ورقةً وقلماً، وضع ثلاث إجابات لكل دائرة وما يناسبها في التقاطعات لتحدِّد أولوياتك التي تجيب برؤية واضحة عن أسئلة: لماذا خلقت؟ وبأي أدوات ومواهب يُسِّرت؟ وما الأدوار المنتظرة مني؟
فمثلاً إن كتبت "نهى" أنها تحب (العمل المجتمعي) وتجيد (الحديث أمام الناس) وتكسب المال من (تعليم الآخرين) ومجتمعها ينتظر منها (المبادرة ومد يد العون)، تكون نقطتها الحلوة: (التوجيه والإرشاد والتدريب على الحياة).
وإن كتب (فتحي) أنه يحب (التواصل) ويجيد (التعامل مع الغرباء) ويكسب رزقه من (الاستشارات) ومجتمعه ينتظر منه (ابتكار الحلول) فنقطته الحلوة هي (الاستشارات)، وهكذا.
وصولنا إلى "نقطتنا الحلوة" يعني ادِّخار الكثير من الطاقات المهدرة حتى لا نسير في الاتجاه الخطأ في الحياة، ويعني عزف لحننا الخاص، مثلما يعني "دافنشي" الفن و"شكسبير" اللغة و"آينشتين" الفيزياء و"موزارت" الموسيقى وتصاميم "زها حديد" المعمارية وأبحاث "أحمد زويل" وسرعة ورشاقة "محمد صلاح". وبهذا تتحول "نقطتنا الحلوة" إلى حياة حلوة بتوصيف "مارتن سليجمان" رائد علم النفس الإيجابي، حيث تلتقي ثلاث حيوات: حياة ذات معنى أنتمي فيها إلى غاية وكيان أكبر مني، مع حياة سعيدة أحصد فيها الهناء والسعادة من أفعالي اليومية، مع حياة انسجام كامل أندمج فيها تماماً في المهمة التي أنهمك وأنشغل بها.
"نقطتنا الحلوة" هي حياتنا الحلوة؛ حياة المعنى وحياة الشغف وحياة الازدهار الطيبة! فأين أنت في معارج الترقِّي ومدارج التنمية؟
ننتظر اسمك ذهباً جميلاً ومنقوشاً على لوحات الشرف وأقدار الحياة لتكون بذاتك أمةً وترتقي بك أمة. 
د. الباهي جاد
رئيس مجلس إدارة مركز سمارت الدولي للتنمية البشرية

بقلم : د. الباهي جاد