الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

تركي وصيني وأمريكي

قصة وليست نكتة

بقلم : نسيم الصمادي 2020-12-02

نشرت مجلة "وايرد- Wired" المتخصصة في تكنولوجيا الأعمال والمعلومات مقالاً أتمنى أن يلفت نظر ويثير حفيظة أحد القادة العرب الأذكياء. عنوان المقال: "هاواوي، والجيل الخامس، والرجل الذي أصمتَ الضجيج". والرجل المشار إليه هو دكتور مهندس وأكاديمي تركي اسمه "إردال أريكان"، وهو أيضاً مؤسس جامعة "بِلكِنت" التكنولوجية في أنقرة.
في عام 2018، كَرَّمت هاواوي "أريكان" -لا علاقة له بأربكان- بصفته الباحث الفَّذ وعالِم الرياضيات العبقري الذي وضع معادلة "الشيفرة الثنائية" التي بَنَت عليها "هاواوي" تقنيات الجيل الخامس. أجرى "أريكان" أبحاثه في معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا" حيث حصل على الدكتوراة، بعد أن تخرج في معهد "كالتك" في كاليفورنيا، وهو المعهد ذاته الذي ساعدَ الدكتور/ أحمد زويل في تحقيق اكتشافاته الأولى والحصول على "نوبل"!
يُلخص "أريكان" اكتشافه قائلاً: "مفتاح الاكتشافات العلمية هو أن تنظر إلى النقطة التي توقف عندها من سبقك من العلماء بسبب المفارقات وتناقُض الإشارات. إنها قمَّة جبل الجليد. عندما ترى نقطة أزعجت العلماء، اقترب منها أكثر، وركز أبحاثك عليها".
العقدة التي يتحدث عنها العالِم التركي كانت تسمى في نظرية المعلومات وهندسة الاتصال: "حاجز شانون". وهي المشكلة التي عجز الدكتور "كلاود شانون" مخترع شبكات الاتصال وقنوات نقل البيانات عن حلِّها. هذه المشكلة الهندسية ببساطة هي الضجيج وتلوث البيانات عندما تنتقل من نقطة إلى أخرى؛ أي بين المُرسل والمُستقبِل.
كباحث دكتوراة؛ اعترَفَ أستاذه في معهد  MIT الدكتور "روبرت كالاجار" بعبقرية "أريكان"، الذي بدأ أبحاثاً استمرت ثلاثة عقود، مدعوماً بمعادلات ونظريات "كالاجار" الذي وضع أول كتاب منهجي في نظرية المعلومات. وإذ توقف الأخير عند "عقبة أو عقدة شانون"، وعجِزَ عن التخلص من ضجيج نقل المعلومات، أصرَّ التركي العنيد على مواصلة البحث وتمكين العالَم من نقل كميات هائلة من البيانات، بسرعة هائلة، مع حذف التشويش وتحويله إلى نفايات رقمية وضوئية تمر في قناة موازية، بعيداً عن البيانات النظيفة المُراد توصيلها.
ترى مجلة "وايرد-Wired" أن "هاواوي" لم تُكرِّم "أريكان" وتمنحه ميدالية ذهبية بحجم طبق الفاكهة، صُمِّمت وزُخرفت من أجله في باريس، لسواد عينيه، بل لتقول لأمريكا؛ إن الصين لم تسرق تقنيات الجيل الخامس، بل حوَّلَت نظرية علمية مجهولة وضعها مهندس تركي، في جامعة أمريكية، إلى اختراع عبقري مكَّنها من الإمساك بزمام المستقبل، بقبضة صينية حريرية تُطوّق العالم، بنعومة وبأكواد رقمية مُعَزَّزة بالذكاء الاصطناعي وبتقنية جديدة ستجعل من الإنترنت نسياً منسياً.
يقول "رين زنفاي" رئيس "هاواوي": "عندما أدركْنا أننا لا نستطيع منافسة الفيلة -أي الشركات الغربية العملاقة- اخترنا أن نعمل كالذئاب. يتمتع الذئب بحاسة شمٍّ فائقة، وطبيعة تنافسية خارقة، وعقلية جماعية تُدين بالولاء للقطيع، وروح تضحية قوية تعكس الشخصية الصينية". استندت "هاواوي" إلى نظرية "أريكان" واستقطبت مدير البحث العلمي في شركة "نورثتل" الكندية بعد إفلاسها، وهو كندي صيني اسمه "وين تونج"، ووفَّرت له ميزانية بمليارات الدولارات على مدار عشر سنوات، واستعانت بالحكومة الصينية لتُجبر كل الشركات الوطنية على تبنِّي معايير الجيل الخامس. فكما توَحَّدت الصين وعَمِلت بقلب رجلٍ واحد، في ارتداء الكمامات لكبح "كوفيد-19"، التزمت بالمَّسلِك الوطني المُلتزم نفسه في الوقوف خلف شركتها التي صارت مثار فخر الصين، ومثار حسد العالم.
هذا هو مزيج الجيل الخامس: الإرادة، والسرعة، والبحث العلمي، وروح الفريق، والتنافسية، والدعم الحكومي، والتمويل، والتسويق. إنها معادلة المستقبل الذي تراهُ العينُ، ويحتضنه القلبُ، ويَنشده العقلُ. ولهذا السبب، يضع "إردال أريكان" أمام مكتبه لوحةً كبيرةً تضم صورةَ أستاذِه الدكتور/ كلاود شانون، مُزَّينةً بمقولته الشهيرة: "نستطيع معرفة الماضي ونعجز عن إدارته؛ ونستطيع إدارة المستقبل ونعجز عن معرفته". وهنا يتحدث "شانون" عن عجزه عن حل مشكلة التشويش بطريقته الأحادية، التي حلها "أريكان" بشيفرته الثنائية، واستثمرتها "هاواوي"بمروحتها الثُمانية! فإن كنت لا تعرف مروحة "هاواوي" الحمراء، فأنت تعيش في الماضي وتعجز عن مغادرته.

بقلم : نسيم الصمادي