الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

اللقاح الذي نريد

بقلم : نسيم الصمادي 2020-11-25

خرجت لقاحات كوفيد-19" من المعامل للتو، ليس لقاحاً واحداً، بل خمسة أو ستة. وبما أن أزماتنا، لا سيما الاقتصادية والسياسية منها، بدأت قبل الجائحة، فإن لقاح "كورونا"سيُخَفِّف من وطأة الأزمة، ولن يحلها.
الملاحَظ أن استجابة الدول للأزمة لم تختلف كثيراً عن استجابة المؤسَّسات.فالدول والمؤسَّسات التي أدارت الأزمة بنجاعة، امتلكت ثلاثة عناصر: توقعت الجائحة واستبقتها بعدة سيناريوهات، وأدارتها برشاقة، وامتلكت منظومةً فعَّالة لإدارة المَخَاطر. استجابت للجائحة وواجهتها بثقة، ولم تتعامل بردود الأفعال، كما فعلت الدول والمؤسسات المريضة.
مع دخول الشتاء، كثَّف"كوفيد-19" فيروساته، فأعاد عشرات الدول إلى الإغلاق. وعادت مؤسسات كثيرة تبحث في ملفاتها عن خطط طويلة المدى. فما السمات المشتركة بين تلك الدول والمؤسسات؟
يرى "فريد زكريا" في كتابه: "عشرة دروس لعالم ما بعد كورونا" أن الدول الفعَّالة في مواجهة "كورونا"، ليست الدول الكبيرة والثرية والديموقراطية، بل الدول التي تتمتع بإدارة حكومية ذات جودة عالية. جودة الحكومة هي العامل الحاسم. وينطبق هذا تماماً على المؤسسات حرفياً. ولكني أرى تشابهاً أوضح من جودة الحكومة؛ وهو جودة التعليم. الدول والمؤسسات الأفضل تعليماً والأكثر وعياً وحساسية للقيم العليا، كانت أكثر فاعلية في إدارتها الواعية والذكية.
أمريكا أقوى دول العالم، ولا تُعدُّ من الدول العشرين الأفضل تعليماً. وهنا أرى تشابهاً، بل تطابقاً بين الحكومة الأمريكية و"كوفيد-19". فكلاهما كان من الصعب توقع سلوكه، وكلاهما فَرضَ حظراً على العالم، وكلاهما أضرَّ بالاقتصاد والعلاقات الدولية. لنقارن مثلاً بين الولايات المتحدة وكندا. تتمتع كندا بتعليم أفضل، ومنظومة خدمات صحية أكفأً، وبقيادة ذات منظور أخلاقي وقيمي أفضل. لقد بدت كندا، مقارنة بأمريكا؛ أكثر عقلانيةً وأناقة.
أفضل الدول في مواجهة "كورونا" حتى الآن هي: الصين، وتايوان، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وهونج كونج، وماكاو، وماليزيا، ونيوزيلندا، وفنلندا، والدنمارك، والنرويج، وسويسرا، وألمانيا، وكندا، وأستراليا، وبولندا، وآيسلندا،وإستونيا، واليابان. بعض هذه الدول تحظى بقيادات نسائية تضع مباديء التعاطف والقيم الإنسانية أولاً، وبنُظُم تعليم راقية مكنتها من احتلال المراتب الأولى على المؤشرات العالمية، وبخدمات صحية تُوازى تَقدُّم التعليم.فمن الصعب أن تَعمَل دولةٌ على تطوير نُظم تعليم فعَّالة، وتَّفشَل في توفير خدمات صحية مُواكبة. وعند تطبيق المقياس ذاته على الدول العربية، يتضح أن أقَّل الوفيات، وأحياناً الإصابات، سُّجِّلت في الدول المتقدمة تعليمياً وصحياً، وعلى رأسها: الإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين. وهذه الدول تتمتع بنسب أعلى من المتعلمين؛ بين المواطنين والمقيمين.
ومن ملاحظاتي في هذا السياق، أن الدول الأفضل في التعليم والرعاية الصحية، ليست -بالضرورة- هي الدول المتقدمة علمياً. فلم تدخل بينها: أمريكا، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والهند، والبرازيل، وتركيا. كل هذه الدول تُصنَّف ضمن الدول العشرين الكبرى اقتصادياً، وقد فشلت مُعظمها في إدارة أزمة "كورونا" وتوابعها، رغم نجاحها في تطوير اللقاحات.
خرجت لقاحات "كوفيد-19" -حتى الآن- من: روسيا، والصين، وبريطانيا، وألمانيا، وأمريكا. ولكن أفضل اللقاحات وأجودها لم يأتِ إلا باستثمارات مالية تعجز عنها الدول الصغيرة، وعلى أيدي عُلماء -في الغالب- مهاجرين أثبتوا جدارتهم، رغم إغلاق الحدود في وجه القادمين الجُدد منهم.
سيبدأ توزيع لقاحات"كورونا" قريباً، ولكن أزمات العالم لن تنتهي. العالم بحاجة إلى قيادات محترمة وذات رؤية، وحكومات قادرة على التعاون بعضها مع بعض، ومُنظَّمات دولية ذات مَنَاعة ضد الفساد الذي ينخر هياكلها. والأهم من ذلك؛ مؤسسات وحكومات وإدارات محلية وتنفيذية قادرة على التعاطف مع شعوبها أولاً، وشعوب الدول الشقيقة والصديقة ثانياً.

بقلم : نسيم الصمادي