الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

لماذا نجحت بعض الحكومات في مواجهة "كورونا" وفشلت أخرى؟

بقلم : نسيم الصمادي 2020-07-21

من منطلق اهتمامي الطويل بالإدارة الحكومية والتفكير في استراتيجياتها، وهو اهتمام بدأ خلال سنوات عملي في معهد الإدارة العامة بالرياض، وتعمق بعد تلخيص كتاب "إعادة اختراع الحكومة" قبل ربع قرن، وترجمة كتاب "فن الاستراتيجية الحكومية: تسخير السلطة والمعرفة للصالح العام"، للإنجليزي "جيف مولجان"، بحثت في أسباب نجاح بعض الدول في إدارة أزمة "كوفيد-19"، وأسباب فشل دول أخرى.
 
يصعب تحديد عوامل النجاح بدقة لعدة أسباب منها: أن الأزمة ما زالت قائمة، بالإضافة إلى عدم شفافية بعض الدول في الإفصاح عن عدد الإصابات والوفيات، واحتمال اندلاع موجة ثانية. تعد الأردن - مثلاً- من الدول الناجحة في إدارة الأزمة، لكنها ما زالت تُغلق حدودها وتمنع الأردنيين المغتربين من العودة، ما أدى إلى عجز الحكومة عن تحريك عجلة الاقتصاد. بينما تُعد السويد - مثلاً- من الدول الفاشلة في إدارة الأزمة، ولكن الحياة تسير فيها بشكل طبيعي، ويتمتع سكانها بحقهم الدستوري في السفر والعودة. وهذه أسباب تُربك المحللين، وتخلط المؤشرات وتزيد مستقبل الأزمة غموضاً.
 
أسباب غير صحيحة:
  • حجم الدولة: التجربة الصينية تنفي أن الدول الكبرى كانت أقل نجاحاً. فقد نجحت الصين وفشلت الهند وأمريكا، ونجحت ألمانيا وكوريا الجنوبية، وفشلت بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرازيل.
 
  • جنس القائد: نشرت مجلة "فوربس" مقالاً طريفاً تناقلته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وفيه ادعت الكاتبة "أفيفا ويتنربرج" أن القيادات النسائية كانت أكثر نجاحاً في التعاطي مع جائحة"كورونا"، وضربت أمثلة بألمانيا والدانمارك وفنلندا وتايوان والنرويج وآيسلندا ونيوزيلندا. ولكن نجاح دول أخرى مثل: إستونيا والأردن وجورجيا ومملكة بوتان وليتوانيا وكوريا الجنوبيةوأيرلندا يلغي هذه الفرضية.
 
  • عمر القائد: ذهب بعض المُحللين إلى أن الدول التي تتمتع بقيادات شابة كانت أكثر نجاحاً. وهذه فرضية معقدة لأن عمر الشباب مسألة نسبية وخلافية. فقادة كوريا الجنوبية والصين وألمانيا وتايوان في منتصف الستينيات من العمر، بينما ما زال الرئيس الفرنسي في الثانية والأربعين، ورؤساء وزراء كندا وإسبانيا في منتصف الأربعينيات.
  • الديموقراطية مقابل الديكتاتورية: تسبب فشل إدارة "ترامب" للأزمة ونجاح غريمه الصيني "تشي بينج" في الادعاء بأن الدول الديموقراطية ترددت في التعامل مع جائحة"كورونا" وكانت استجاباتها بطيئة، وهذا أيضاً غير صحيح. فقد فشلت روسيا وإيران وفيها نظم حكم أوتوقراطية مثل الصين، ونجحت سويسرا الديموقراطية رغم وقوعها بين فرنسا وإيطاليا الفاشلتين. بالمقابل، حققت نيوزيلندا نجاحاً مشهوداً مقارنة بأستراليا المجاورة، ونجحت تايوان أكثر من الصين، رغم تباين النظام السياسي بينهما. ومن ملاحظاتي أن الدول التي أخفقت في مواجهة جائحة "كورونا" هي الأكثر ميلاً إلى تسييس الأزمة بسبب أزماتها الداخلية والانتخابية أو الحزبية ومنها: أمريكا وروسيا وتركيا وبريطانيا والبرازيل وإيران والهند.
وفي رأيي الشخصي - وهذا استنتاج يحتاج إلى دراسة استقصائية وبحث منهجي مفصل وعميق يمكن أن يكون موضوعاً لرسالة دكتوراة في إدارة الأزمات - أنه يمكن تقسيم الدول إلى ثلاث فئات على سُلَّم أو منحنى التقدم: فهناك دول تتقدم، وأخرى تتراجع، وثالثة تتأرجح. الدول التي تملك استراتيجيات وبرامج وخطط حقيقية للمُنافسة والتقدم، تتمتع بحيوية وقوة دفع إيجابية مكنتها من التعاطي مع الأزمة بثقة، واتخاذ قرارات سريعة وجريئة وحاسمة في مجالات الصحة والاقتصاد والإعلام وتوظيف التكنولوجيا. من تلك الدول: الدانمارك والنرويج وآيسلندا وفنلندا ونيوزيلندا وألمانيا وإستونيا وتايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية والصين وجورجيا وليتوانيا وهنغاريا وسويسرا وهولندا وأيرلندا.
 
أما الدول المتأرجحة، التي جاءت نجاحاتها متوسطة فتشمل: اليابان والهند وماليزيا وكندا وأستراليا والسويد وبلجيكا وبولندا. أما الدول المتراخية والآفلة - رغم أنها لا تزال دولاً متقدمة اقتصادياً وعلمياً، ومن المتوقع أنها ستنتج العلاجات واللقاحات الأولى - فهي في حالة ارتخاء وتقهقر تفقدها ميزاتها التنافسية بشكل بطيء، ولكن مستمر. فقد خسرت معركة العولمة، ويشهد بعضها أزمات ثقافية واجتماعية وسياسية، ويعاني بعضها الآخر من أزمات الهوية ومظاهر العنصرية وصراعات النفوذ، ومنها: بريطانيا العظمى، وروسيا الاتحادية، والولايات المتحدة، وفرنسا وإسبانيا. فبينما تقوى الصين، تضعف أمريكا؛ وبينما تتحد ألمانيا، تنقسم وتنفصل بريطانيا وإسبانيا؛ وبينما تستقر بولندا، تضطرب فرنسا. الدول مثل الأفراد، تصاب بالتخمة والإرهاق وتفقد حيويتها وتتباطأ خُططها وخُطواتها، فتخلد -في مرحلة ما من تاريخها- إلى النوم.
 
السمة الأولى للدول التي أدارت أزمة "كورونا" بفاعلية؛ أنها يقظة وسريعة ومستقرة. وأبرز سماتها هي: "الحيوية"

بقلم : نسيم الصمادي