الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

صعود "كارلوس غصن" وسقوطه!

بقلم : نسيم الصمادي 2020-02-01

أن تناول قضية "كارلوس غصن" وهروبه من اليابان مسألة معقدة، ولم أُرِد أن أخوض فيها بسبب تشابكاتها القانونية والمالية والسياسية، ثم غيَّرتُ رأيي بعدما سألني أحد القراء: هل "كارلوس غصن" بريء أم مذنب؟ وهل قضيته سياسية أم جنائية؟
نشَرَ "غُصن" كتابه الشهير "النقلة: أسرار عودة نيسان إلى بر الأمان" يوم 28 ديسمبر 2004، وهرب من اليابان التي أنقذ شركتها، يوم 28 ديسمبر 2019. أي بعد 15 عاماً باليوم والساعة، وقد ساعدتني هذه المصادفة في استنتاج بعض العبر من سيرته التي كانت مثاراً للإعجاب، وصارت مثاراً للجدل، ومن منظور رؤيتي وفلسفتي الخاصة حول القيادة أرى أن تجربة "غصن" تستحق كتاباً بحثياً كاملاً، وهذه بعض الدروس المستفادة من بدايته ونهايته:
 
- احذر النجاح أكثر من الفشل
الفشل حالة فردية، والنجاح حالة عامة. يعيش الفاشلون في الظل ويختبرونه وحدهم، ويعيش الناجحون في العالم ويُعانون الفشل مع مؤسساتهم وفرقهم وذويهم ومُعجبيهم. نال "كارلوس غصن" المجد وعُدَّ بطلاً في عدة دول منها: لبنان واليابان وفرنسا والبرازيل، وفي مؤسسات عالمية منها: "نيسان" و"ميتسوبيشي" في اليابان، و"رينو" و"ميشلان" في فرنسا، و"لادا" في روسيا. وسرت شائعات بترشيحه لإنقاذ شركة "جنرال موتورز" الأمريكية، وأنه تلقى عرضاً ليتولى الإدارة التنفيذية في "فورد" الأمريكية أيضاً، حتى إن يابانياً متخصصاً في السعادة والنجاح نشر كتاباً عام 2014 بعنوان: "فن إحياء المؤسسات: حِكَم إدارية من جاك ولش وكارلوس غصن وبيل جيتس"، وأرى أن مقارنة "غصن" بـ"ولش" و"جيتس" تفتقر إلى الموضوعية. "جيتس" مبتكر أكثر منه مديراً تنفيذياً، وتقاعد من عمله مبكراً وطلب مزيداً من النجاح في مؤسسته الخيرية، بينما قضى "ولش" حياته في خدمة شركة واحدة هي "جنرال إلكتريك"، وتقاعد منها لينصرف إلى الكتابة والتوجيه، ثم وضع منهجه وفكره القيادي في خدمة العالم. الغرور هو الخطأ الأول والخطر الأكبر الذي يُهدِّد الناجحين، وهذا ما حذر منه "بيل جيتس" و"جاك ولش" في حواراتهما وكتبهما. بينما راح "كارلوس غصن" يكيل التهم لأعدائه في "نيسان"، وللقضاء في اليابان، نافياً ارتكاب أي خطأ مهماً كان صغيراً.
 
- الاستراتيجية تستحق أكثر من 5%
في قوانينه العشرة للنجاح، يرى "غُصن" أن التنفيذ يشكِّل 95% من معادلة النجاح، فلا يترك للاستراتيجية سوى 5%. والحقيقة أن الاستراتيجية مسؤولية القيادة، والتنفيذ مهمة الإدارة، وأنه يصعب الفصل بينهما في كثير من الأحيان، ففي مراحل الاستقرار نركِّز على الخطط طويلة المدى والنتائج متوسطة المدى، وفي فترات الاضطراب نركِّز على الخطط قصيرة ومتوسطة المدى، والتنفيذ السريع وقصير المدى. ولعل السبب الأول والرئيس لتضمين الرؤية والرسالة في استراتيجيات المؤسسات هو ضرورة التركيز على المعاني والقيم والنوايا الاستراتيجية، في مواجهة النتائج المالية والجداول الرقمية.
 
- ضع بيضك في "فقَّاسة" وليس في عدة سلال
سواء وضعت بيضك في سلة أو وزَّعته على عدة سلال، فإنه يبقى معرضاً للكسر أو التلف. امتلَكَ "كارلوس غصن" كثيراً من البيض في عدة قارات ودول، واحتار بين ما سيأكله وما سيستثمره، وعندما سألَته إحدى المحاورات في جامعة "ستانفورد" عن صعوبة السيطرة على عدة شركات في عدة قارات، قال إن انضباطه وحضوره الذهني ومهاراته التنظيمية تُساعده على الحضور الدائم بغض النظر عن كثرة السفر. ومن الواضح أنه لم يكن حاضراً عندما بدأت الدسائس تُحاك ضدَه في داخل شركة "نيسان"، واضطر إلى التحليق فوق روسيا وقطع مسافةً أطول في رحلة الهروب من اليابان إلى لبنان، عبر إسطنبول. ولم يستطع العودة إلى فرنسا التي كان يحمل جواز سفرها، لعدم ثقته بالحكومة الفرنسية، ولشكِّه في موقف شركة "رينو" من القضية برمتها. ولهذا، سيقضي "غصن" أعواماً طوالاً حبيسَ السلة اللبنانية بسبب التشتُّت والصراع بين قيم وثقافات المنظمات والدول التي وزَّع بيضه بين سلالها ومصارفها.
 
- كن ذكياً ولا تكن عبقرياً
لا أحد يشك في ذكاء "كارلوس غصن" المالي، ويبدو أن ثقته الزائدة بقدراته هي مصدر مشكلاته، لكنني فوجئت حينما سمعته يقول إنه لا يأبه كثيراً بتقدير وحب الآخرين له، وأن مرجعه داخلي لا خارجي. التركيز على الداخل والذات مفيد جداً في الأزمات وفي مواجهة الانتقادات، وما زال هذا الموقف الذهني مسيطراً على رؤيته كما برهنِت لقاءاتُه الإعلامية الأخيرة، وقد لاحظت أنه كثيراً ما يُجيب قبل اكتمال السؤال، وأنه يزِن مشاعرِ الآخرين بمقاييسه الشخصية، فالتمركز حول الذات يُسهل عملية اتخاذ القرارات، ثم يُدخلنا في المتاهات. كان "آينشتاين" عبقرياً وكان أيضاً ذكياً، وتوحي حكمتُه ونصائحُه أنه كرَّس ذكاءه للعالم، ولم تكن عبقريته ذات أبعاد ذاتية، ما يثبت أن ذكاءنا المالي والإداري لنا، وذكاءنا العاطفي لمن حولنا، فالأول يقودنا إلى الشهرة ويمنحنا النفوذ، والثاني يقودنا إلى السعادة ويمنحنا الخلود.
 
لا أملك وثائق ولم أقرأ اتهام النيابة اليابانية له، ولم أطلع على مذكرات محاميه لأحكم ببراءته أو أدينه. ولكن فكره القيادي ونمطه التنفيذي وبراجماتيته المفرطة تؤكد أنه ارتكب أخطاء قاتلة، وأن النظرة الضيقة والثقة الزائدة، ألقت به في سلة صغيرة، سيعيش ما تبقى من عمره يراقب العالم والعالم يراقبه، وهو ينظر نادماً من بين ثقوبها الضيقة.

بقلم : نسيم الصمادي