الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

دور السياسات الحكومية العامة في تغيير سلوك المتعاملين

بقلم : شادي الخطيب 2019-03-21

يجب على كل سياسة أن تضع افتراضات بشأن السلوك البشري، وعادة ما تدعم السياسات العامة الأنشطة التي تستحق التشجيع وتقوم بالدعاية لها، وتحاول إعاقة وحجب الأنشطة غير المرغوب فيها، وخلف هذا النهج تكمن الفكرة القائلة إن السلوك البشري ينشأ عن اختيار "عقلاني"، بمعنى أن الفرد يقيِّم ويقدِّر بدقة اختياراته، ويأخذ في حسبانه كل المعلومات المُتاحة والمتيسرة، ويتخذ قراراته بإرادته الحرة. وتركز السياسات المنبثقة من هذا المنظور على تغيير المنافع والتكاليف (أي العوائد والخسائر) الناجمة عن أفعال الأفراد، وقد ثبتت فاعليتها الشديدة في عديد من المجالات.
غير أنه خلال العقود الأخيرة ألقت البحوث المتعلقة باتخاذ القرار بظلال من الشك حول مدى تحديد الناس اختياراتهم بهذه الطريقة، وجاءت السياسات المبتكرة والقائمة على أساس فهم أكثر دقة لكيفية تفكير البشر وسلوكهم لتضيف وتغير منظور الكثيرين، لا سيما فيما يتعلق بمعالجة بعض التحديات التنموية الصعبة؛ مثل زيادة الإنتاجية، وكسر سلسلة الفقر الذي ينتقل من جيل إلى جيل.

 

المبادئ الثلاثة لاتخاذ القرارات
1- التفكير التلقائي: يحدث الجزء الأكبر من تفكيرنا بشكل تلقائي استناداً إلى ما يرد على الخاطر ويعالجه العقل بلا مجهود. أما التفكير المتدبر والمتأني الذي نَزِن ونقيِّم من خلاله كل الخيارات المتاحة فهو أقل شيوعاً،  فنحن نسلك في معظم الأحيان عبر دروبٍ ذهنية مختصرة، ولذا فإن أقل تغير في السياق المباشر الذي تُتخذ فيه القرارات تكون له آثار عميقة على السلوك البشري، وهي آثار لا تتناسب مع بساطة، وأحياناً سذاجة هذا التغيير.


2- التفكير الجمعي: البشر كائنات اجتماعية مفرطة في الترابط. معظم الناس يحبون التعاون، ما دام الآخرون متعاونين، أو على الأقل غير مناوئين، ويمكن تصميم المؤسسات والتدخلات الإدارية والتنفيذية في تصميمها وتطبيقها بحيث تعزز السلوك الجماعي، كما يمكن الاستفادة من الشبكات والأعراف الاجتماعية كأساس للأنماط والصيغ الجديدة والمبتكرة من السياسات والتدخلات المحوكمة.


3- التفكير وفق نماذج وأطر ذهنية: الناس عموماً لا يخترعون مفاهيم جديدة حين يفكرون، بل على العكس، نجدهم يستعينون بنماذج ذهنية مستمدة من مجتمعاتهم ومن تاريخهم المشترك. المجتمعات تزود الناس بنماذج ذهنية عديدة، كثيراً ما تكون متضاربة، ويتوقف اختيار أي منها على دلالات السياق. ويُمكن للسياسات والتدخلات الرامية إلى تنشيط نماذج ذهنية مواتية أن تجعل كل، أو على الأقل بعض الناس أفضل حالاً. فليس المهم هو تحديد السياسات المراد تنفيذها فقط، بل وكيفية تنفيذها أيضاً.

المنظور السلوكي والاجتماعي للسياسات
• معالجة الفقر: الفقر في المنظور الاقتصادي والاجتماعي يعني أكثر من مجرد الحرمان من الموارد المادية لأن ضغوط الفقر وتداعياته والإجهاد الذي تسبِّبه للإنسان يفرضان  "ضريبة" نفسية وأخلاقية على الموارد الإدراكية. وعلى صُنَّاع السياسات أن يخرجوا القرارات ذات الأهمية البالغة عن سياقها الزمني عندما تكون الموارد الذهنية شحيحة بوجه خاص، فهي تستطيع، مثلاً، نقل قرارات الالتحاق بالمدارس إلى الفترات التي يرتفع خلالها الدخل الموسمي للمزارعين الفقراء.


• الحوافز الاجتماعية: يمكن أن تكون الحوافز الاجتماعية بنفس فاعلية الحوافز الاقتصادية، فإبلاغ الناس بمقدار ما يستهلكونه من الطاقة مقارنة بجيرانهم يؤدي إلى انخفاض متوسط الاستهلاك، والإشادة علانية بمن يحافظون على المياه وتأنيب من لا يحافظون عليها يُساعد مدينة أو منطقة ما في تجنب حدوث أزمة في إمدادات المياه، لأن الناس سيميلون إلى الاقتصاد في استهلاك المياه عندما يشعرون بأن الآخرين سيفعلون مثلهم.


• الترفيه والتثقيف والقصص المحكية: يمكن للبرامج التلفزيونية والإذاعية والرسائل الإعلامية التي تحتوي قيماً سلوكية تخاطب الجماعات المتعددة أن تقلل من معدلات إدمان المراهقين، وتحسن نسب الادخار، وتزيد من تمكين المرأة، وترفع مستوى الدخل، ومن ثم مستويات المعيشة بين أفراد الجماعات المستهدفة.

بقلم : شادي الخطيب