الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

هل "توني روبنز" محفِّز ماهر أم تاجر شاطر؟

بقلم : نسيم الصمادي 2019-03-04

عرفت "توني روبنز" قبل ربع قرن، وكان ذلك في شهر مارس عام 1994، عندما لخصتُ كتابَه "أيقِظ المارد الكامن"، ولم يكن "أنتوني" -كما كان يسمى في ذلك الوقت- حقق الشهرة الخُرافية التي يحظى بها اليوم. بعدها بسنوات تحوَّلَ مضمونُ الكتاب إلى برنامج تدريبي يمتد إلى أكثر من خمسين ساعة، وتم تحوير اسمه قليلاً ليصبح "أطلق طاقتك الكامنة"، وما هي إلا بضع سنوات حتى أدركنا أن صرخات وتصفيقات "روبنز" تستند إلى علم زائف يُدعى "البرمجة اللغوية العصبية"، وهو العلم الذي لبس عباءته الكثيرون، رغم التحذيرات المتتالية والأوهام التي غرسها في نفوس جيل كامل من الطموحين، والتُّرهات التي أودت بمستقبل الكثيرين.


ظل انطباعي عن "روبنز" سلبياً حتى عام 2015، واستمر كذلك حتى بعد أن نشر كتاباً في نحو 700 صفحة، حول المال والأعمال وأسرار الادخار والحرية المالية، وجهت فريقي إلى تلخيص الكتاب فوراً لأن كسب المال هو اللغة الأولى واللعبة الصعبة التي يُتقنها "روبنز". في معظم برامجه التدريبية التي تُشبه عروض السيرك والعروض المسرحية الطويلة، يتجاوز عدد المشاركين ألفين وخمسمائة، يدفع كلٌّ منهم خمسة آلاف دولار نقداً، فضلاً عن تكاليف السفر والمشتريات الإضافية، ما يعني أن دخله الأسبوعي يتجاوز عشرة ملايين دولار، فهو ممثل بارع وبائعٌ فذ، ذو شخصية ساحرة وطولٍ فارع. إلا إنه في حقيقة الأمر لا يحمل شهادات علمية، ولم يتخصَّص في أي علمٍ يؤهله للتلاعب بالعقول، وتقديم استشارات وتوجيهات للباحثين عن ذواتهم؛ من المتأزمين نفسياً أو مالياً.


في ظهوره الأخير في دبي، بدا "روبنز" أقرب ما يكون إلى راقص الديسكو، وقد ذكَّرني بـ"عمرو دياب" الذي لا يستطيع الظهور أو الغناء بعيداً عن ضجيج الموسيقى، وقرع الطبول، وهتافات المعجبين. الفرق بين "توني" و "عمرو" هو أن الأخير يُخاطب جمهوراً ذا توقعات واضحة، وفئات عمرية متجانسة، في حين يغفل "توني" عن إدراك المستويات العلمية والأبعاد الثقافية المتنوعة للمشاركين في مهرجاناته التحفيزية المسلية، وعديمة الفائدة، ولهذا فهو لا يتردَّد في استخدام ألفاظ بذيئة لا تقبلها ثقافة بعض تلاميذه ومعجبيه.


كنت قبل نحو أربعة عقود، مأخوذاً بتفوقي الأكاديمي ومصاباً بغرور المُتخرجين حديثاً، وببعض المقالات والقصص المتناثرة التي لقيت حظها من النشر وليس الانتشار. طلب أحد الزملاء أن أشاركه إحدى محاضراته في معهد علمي مرموق، وبعد محاضرة لم تزد عن 40 دقيقة، سألني أن أقيَّم طلابه وكان عددهم يربو على العشرين، فساقني غروري إلى إبداء رأيي فيهم رغم أن معرفتي بهم جميعاً لم تزد عن ساعة من الزمن، وهذا ما يفعله "توني روبنز" مع طلاب مشورته ومتدرِّبيه.
يستخدم "روبنز" لغةً بذيئة في خطابه التحفيزي، ويستثمر طاقته الجبارة في دفع الجهلاء إلى المشي على النار ليصاب معظمهم بحروق من الدرجة الثانية، فيعجزوا عن استكمال برامجه طويلة المدى، وقد رأيته مؤخراً في برنامج وثائقي تبثُّه "نتفلكس" يطلب من امرأة ضعيفة، أن تتصل بخطيبها عبر الهاتف، وتبلغه قرارها بالانفصال، في لحظة تهور وانفعال، دون أن نرى ذك الصديق المسكين، أو نسمع وجهة نظره في توتر علاقته بصديقته. حدث هذا فعلاً على مرأى من 2500 مشارك في برنامجه الشهير "واجه مصيرك" Date With Destiny، ومن دون أي تحليل نفسي، أو أساس علمي، أو تبرير مقنع لما يطلبه "روبنز" من ضحاياه.


يستثمر "روبنز" من خلال طاقته البدنية الخارقة وذكائه التسويقي، سلوك القطيع ويدفع مريديه تحت ضغط الجموع والموسيقى الراقصة إلى اتخاذ قرارات متسرعة لا تستند إلى أساس علمي، فهو لم يدرس علم تحليل الشخصية ولم يتخصص لا في علم النفس ولا في السلوك الإنساني، بينما تطَّلب وضع مقياس "مايرز بريجز" لأنماط الشخصية ثلاثة أجيال من الباحثين، فلم يُستكمل ويتم اعتماده إلا بجهود الدكتورة "ماري هاولي مكولي" من جامعة فلوريدا، في حين أجرت مؤسسة "جالوب" أكثر من 20 مليون تحليل شخصية على مدى 40 عاماً، إضافةً إلى أبحاث جهابذة علم النفس الإيجابي، قبل أن تضع مصفوفتها التي تقيس أبرز خمس نقاط قوة في شخصية كل إنسان على حدة، ولم تتعامل مع الأفراد كجماد أو كأعضاء في قطيع تتشابه بصماتُه وتذوب سماته.


يتمتع "توني روبنز" بطاقة إيجابية ومهارات أداء لم يعرفها العالم من قبل، وقد لا تتكرر خلال هذا القرن، ويبدو أنه يتوقع أن كل الناس على شاكلته، وهذا التوقع بحد ذاته مشكلة، وهو -بلا شك- بحاجة إلى استشارة طبيب نفسي، أو إخصائي معتمد في فهم الذات والنضج الاجتماعي وإدارة السلوك.

بقلم : نسيم الصمادي