اشتراك تجريبي

الرئيسية / المقالات

هل انحرفت الرياضة عن أهدافها وتحوَّلت إلى تجارة وخسارة؟

بقلم : نسيم الصمادي 2023-01-09

لم يكن اثنان يختلفان حول أهمية الرياضة للأفراد والمجتمعات، ولكن إذا ما أعدنا النظر في سلبياتها ومخاطرها وسياسات المؤسسات القائمة عليها، وتكاليفها الاقتصادية والاجتماعية والصحية، فإن الاختلافات في وجهات نظرنا بشأنها ستبدأ الآن!
بدأت عيوب الرياضة ومخاطرها تتكشَّف مع تحويلها إلى سلعة، وتحويل أبطالها إلى نجوم افتراضيين يتم تلميعهم وتسويقهم رغم عجزهم عن إضافة قيم فكرية أو علمية أو سلوكية يمكن فعلاً الاستناد إليها، وقد زادت مبالغة وسائل الإعلام في نقل فعاليات التعاقدات والمناسبات والمباريات والأحداث الرياضية الطين بلة، وأدَّت إلى إدمان الجميع على المشاهدة دون الممارسة، ودون التفكير بعواقبها وسلبياتها الكثيرة.
السؤال الاقتصادي: من هم الرابحون –وبلغة الرياضة: من هم الفائزون- في عالم الرياضة اليوم؟ إنهم فقط: اللاعبون والمدربون والوسطاء وشركات المراهنات والإعلانات وصانعو الشعارات ومروِّجو المنشِّطات والاتحادات الرياضية! ومن هم الخاسرون؟ المشجعون والمشاهدون والمستثمرون والمالكون للأندية والمموِّلون والمراهنون، وكذلك الأسرة والمدرسة والجامعة والمعرفة والثقافة والابتكار والتطوير والبيئة والعالم برمَّته. ويمكن أن نضيف إلى فئات الخاسرين: الدول المنظِّمة للمناسبات الرياضية، وبخاصةٍ المونديال والألعاب الأولمبية.
الاتحادات الدولية باتت تحكم العالم وتتحكَّم بالاتحادات الإقليمية والوطنية، وتُشدِّد قيودها في وضع السياسات وتطبيقها، وهي تعاني الفساد الإداري والأخلاقي. وبسبب سياسات الجوائز والمكافآت والمنافسة الشرسة والكؤوس اللامعة، وهوس الجماهير وجنونها، صارت الاتحادات والفرق تُتاجر بالأرقام القياسية، حتى أوشكت على تشريع المراهنات، وإباحة المنشطات، رغم كونها نقيضاً صارخاً للرياضة وأهدافها النبيلة، مثلها مثل الرشاوى المالية وفساد القيادات السياسية.
ما الذي يضيفه أبطال كرة القدم والمصارعة والجولف وكرة السلة وسباقات السيارات وغيرهم، إلى الحضارة والمعرفة والثقافة والعلم ومستقبل البشرية مثلاً؟! هم يتدرَّبون ويلعبون ويكسبون ويتم تسويقهم كعلامات تجارية ولوحات إعلانية، ونحن نشاهد ونُراهن ونُهدر أوقاتنا ونحرق أعصابنا ويرتفع ضغطنا ونتعرَّض للجلطات وزيادة الوزن بسبب الوجبات السريعة التي نطلبها ونلتهمها أثناء فترات البث، بينما هم يركضون ويركُلون ويضحكون.
كما أن الدول المنظِّمة للمناسبات الرياضية الكبرى، هي دائماً الخاسر الأكبر، حيث لا تتناسب مكاسبُها المادية ولا المعنوية كقوى ناعمة، وتحسين صورتها الذهنية، وتطوير بنيتها التحتية مع التكاليف الباهظة التي تتكبَّدها قبل التنظيم وخلاله وبعده، فضلاً عن الآثار السلبية للفراغ النفسي والركود الاقتصادي والسكون الخانق الذي يلحق بالمدن بعد وداعها للجماهير، وإطفائها للأضواء، وخسارتها للفرص البديلة. لقد أنفقت مدينة لندن 14 مليار دولار لتنظيم الألعاب الأولمبية عام 2014، واليوم تبحث بريطانيا العُظمى عن 12 مليار دولار لإنقاذ خدماتها الصحية من الانهيار، ولا تجد من يموِّلها.
لا أرى فرقاً بين مشاهدة المباريات الرياضية المتتالية، وبين الإدمان على محتوى "نتفليكس" ووسائل التواصل الاجتماعي على مدار الساعة، فكلها حالات ترفيهية تبدأ بإثارة المتعة، وتستفز مراكز هرمون الدوبامين في المخ، فنشعر بالنشوة العابرة والسعادة المؤقَّتة، ثم ينتابنا الإحباط فور انتهاء المشاهدة، ومع انتهاء جُرعات التخدير الافتراضي والمرئي على الشاشات الكبيرة والصغيرة.
ولم يقتصر الإدمان على المشاهدة، بل طال الممارسة أيضاً، فتحوَّلت مراكز اللياقة البدنية "الفتنس" من حل إلى مشكلة، ومن لياقة إلى صفاقة، فهي تُروِّج للمُنشطات وبروتينات تضخيم العضَلات، حتى أصاب التضخم كل شيء: الاقتصاد والأجساد وعقول العباد.

بقلم : نسيم الصمادي