اشترك لمؤسستك

الرئيسية / المقالات

المستقبل الرمادي والحلول الوسط

بقلم : نسيم الصمادي 2022-06-26

سأحدثكم عن عادة قديمة تُلازمني: قليلاً ما تسنح الفرص وأجد نفسي في خلوة؛ أوقات خالية من العمل والناس، ومن الهموم أحياناً. في هذه الحالة الرائقة، أبدل روتيني اليومي لأبتعد عن كل ما يمت إلى العالم والعمل بِصِلة، وأبدأ بقراءة مقالات ومقولات لا رابط بينها، فأقفز من موضوع إلى آخر بسرعة مفرطة. القراءة العشوائية تُخلصنا من التحيزات، وتصدمنا بمعلومات كثيرة ومثيرة.
أثناء محاولتي الأخيرة لكسر الروتين، شغلتني حمامة رمادية اللون وهديل زغاليلها في سقف البيت القرْميدي، حيث عشَّشَت الحمامة وفقَست بيضها، متمتعة برفاهية المكان الخالي معظم الوقت. لاحظتُ أن زوج الحمام قد خَرَق أطراف السقف، وأزاح الخشب جانباً، وجاء يُسليني ويُزعجني ببقايا أكلاته وفضلاته المتناثرة فوق أجهزة التكييف وكراسي الخيزران.
أول سؤال طرحته بشأن أزمة الحمام هو: هل أتخلص من الحمام وفراخه، أم أتركه يعيش بِحُرية ما بين السقف وأقواس القِرميد؟ الحمامُ رمز السلام، والبيت كبير ومبني في أرض الله الواسعة، وأصوات الهديل جميلة وناعمة، لكنها رتيبة ومتشابهة وتتناقض مع ما كنت أَنشُده من تغيير! فما الحل؟
ضحكتُ من فكرة حل مشكلة هي في حقيقتها ليست مشكلة، وقلت: إذا كان الحمام حراً في إزعاجي، فأنا حرٌّ في إبعاده والتخلص من رتابة أصواته، فكل ما يتكرر مُمل ويبعث على الضجر، حتى القراءة الهادفة. يمكنك الاستمتاع بإحدى السيمفونيات الكلاسيكية، وبأغاني أم كلثوم وفيروز لبعض الوقت، ولكنك ستمل تكرارها في نهاية المطاف!
تذكرت الآن أنني واجهت مشكلة مماثلة قبل ربع قرن. كنت آنذاك أسافر كثيراً، فجاءت حمامة لا أعرف لونها، وبَنَت عُشَّها على إحدى نوافذ غرفة النوم. لم أكن أفتح تلك النافذة كثيراً، ولكن صوتها كان مزعجاً جداً في بواكير الصباح. وفي ورشة عمل حول التفكير الابتكاري عرضت المشكلة على المشاركين، وطلبت منهم طرح أفكار إبداعية للتخلص من رفرفة وهديل الحمام. قال أحدهم: افتح النافذة ليطير الحمام وتصطاد الفراخ، وقال آخر: بمجرد أن تفتح النافذة، سيسقط العش وتنتهي المعضلة، وأضاف الثالث: ضع قفصاً على سطح العمارة وانقل العش والفراخ معاً. وكان ردي بأن جميع الاقتراحات سهلة التنفيذ وغير مكلفة، ولكنها تعكس وجهة نظرنا فقط، ولم تأخذ حرية ورفاهية الحمام بعين الاعتبار.
يمكن حل كل مشكلات العالم بسهولة إذا تجاهلنا حقوق الطرف الآخر وتداخل المصالح، وتناسينا تعسُّف الأقوياء في فرض شروطهم على الضعفاء. فلا سبب حقيقياً للحرب في أوكرانيا لولا جنون العظمة وصراع النفوذ بين الشرق والغرب، ولا مبرر منطقياً لرفع أسعار الفائدة لولا المصالح الانتخابية ومخاطر التضخم، ولا دافع اقتصادياً للتجارة بالبشر وغسيل الأموال لولا فساد الساسة ونفوذ المافيا، ولا معنى علمياً لتجاهل التغير المُناخي لولا سطوة رأس المال ونفوذ الشركات الكبرى، وهكذا؛ في كل مشكلة نحاول حلها، تواجهنا مشكلات أخرى تتطلَّب عقد مؤتمرات وتطوير استراتيجيات وتغيير سياسات، فضلاً عن تعارض الأخلاق والقيم العليا مع معظم الحلول السهلة التي تضحِّي بالصحيح من أجل المُريح!
تزداد عملية اتخاذ القرارات تعقيداً بسبب التناقض القائم بين الصحيح والأصح، وبين المثالي والواقعي، وبين الأنا والآخر. ليست المشكلة في الاختيار بين الأبيض والأسود، وبين البناء والهدم، وبين الفساد والنزاهة، لأن الخطوط الفاصلة واضحة، بل تكمن المشكلة في تداخل الألوان، حين يصبح اللون رمادياً، والفساد شطارة، ويعلو صوتُ الحرب على صوت الحب.
أعلنتُ هدنةً مؤقتةً ومن طرف واحد مع الحمام. اتصلت بمقاول البناء وكلَّفته بتنظيف السقف، وترميم القرميد، وسد الكُوَّات المفتوحة بالحديد، متظاهراً بمناصرة البيئة، فجاءت قراراتي ديموقراطية وسلمية، ولكن رمادية! وكنوع من الاستثمار واستشراف المستقبل، أضفت إلى السقف برجاً عالياً للحمام وسُلَّماً داخلياً. سأتمتع بلحظات هدوء بلا هديل ولا فضلات، في الخلوات القادمة، وأراقب الحمام وهو يكثر ويكبر. وحتى لا تُسيئوا الظن؛ أضفت السُّلم لتسهيل تنظيف الأبراج فقط، ولأن أسعار الدجاج في ارتفاع، والمجاعات قادمة. الحمام مثل الحلول الوسط ومثل السلام؛ لا أبيض ولا أسود!

بقلم : نسيم الصمادي