الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

الذي سبق، أكل النبق

بقلم : صالح الحموري 2021-07-29

في عالمٍ يتغيّرُ فيه كلُّ شيء، وَتتسارعُ وتيرة التّطورات لتشملَ كافّة َالمجالات، يكونُ من غيرِ المُجدي اعتمادُ الأساليبِ التّقليديّة لمواجهةِ كلِّ هذا الغموض وَعدمِ اليقين.
لطالمَا اعتدنا في إدارةِ مؤسّساتنا على الاستراتيجياتِ الهرميّة التي يسودُها النّمط القياديّ الاستبدادي غالباً، حيثُ يُخطط المديرون، ويوزعون المهام ثم يُقيّمون الأداء - وفق مؤشرات نتائج لا مؤشرات أثر- وَفي المقابلِ يجد الموظفون أنفسهم كآلات تعمل بدون هدف، ووفق روتين جاهز ومُحضّر لهم، دون أي حافزٍ للإبداعِ، ما ينعكسُ سلباً على أداء المؤسّسة؛ فيعرقلها ثم يُدمِّرُها.
أمّا اليوم، ومع تغيُّر مُتطلِّبات وسلوك المتعاملين في ظلِّ ثّورة التكنولوجياِ، فقد اعتمدت المؤسّسات الذكية على أساليبٍ إداريةٍ تتميزُ بالرّشاقة ورؤية المستقبلِ وصُنعه، عن طريقِ مُمكِّنات الإبداعِ والابتكار والتخصيص الذكي للموارد، بما يُحقق سعادة المتعاملين والعاملين معاً. فصراعُ البقاءِ في عالم "الفوكا" - والّذي يُعتبَرُ التّغيير جُزءاً منه- يعدّ دافعاً أساسيّاً للمؤسّساتِ للبحثِ عن قيمٍ تنافسية مُضافةٍ تقدِّمها للمتعاملين، والتحول عن الاستراتيّجيات السّلطويّة والهرميّة في الإدارة إلى عالمِ الـ Agile الأفقي الّذي يستند إلى فرقٍ ذاتية التنظيمِ يمكنها تقديمُ قيمةٍ مضافةٍ مستمرةٍ ومباشرةٍ للمتعاملين. ويعتمدُ ذلك على رشاقةِ المديرين وانفتاحهم على الأفكارِ الجديدة، ومهاراتهم القيادية، لتقديم منتجات مفصلة وسريعة بأفضلِ جودةٍ ممكنةٍ.
التّطورات والتّغيراتَ متواترة، وما ينفعُ اليوم لن ينفعُ غداً، وما نجح في الماضي لن ينجح اليوم، ومن الغباء تجريبه غداً. كانت البيروقراطيّةُ الهرميّةُ في الماضي حلّاً للفوضى وأسلوباً لتنظيمِ العملِ وتقديمِ التّقارير للرّؤساء. ومع الأداءِ المتكررِّ لذاتِ الأنشطة وفي بيئةٍ مستقرةٍ، تمكَّن الموظّفون من أداءِ مهامّهم بصورةٍ جيدةٍ. فلم يكن التّعاون حاسماً حين كان المديرون قادرين على توجيهِ العمل، بما يحقّق الأرباح للمساهمين، بغض النظر عن رضا العاملين.
في الماضي كان الاستقرارِ مُهماً في بيئةِ الأعمال حين كان بوسع المؤسسة الاستمرارُ في تقديمِ نفس المنتجِ لسنواتٍ من دون التّعرض للخطرٍ. لقد كان الاستقرارُ ميزة تنافسية تمكّن المؤسسات من التنبؤ بما سيحصل عليه المتعاملون. ولكن، وفي عصرِ الثورةِ الصّناعيةِ الرابعةِ وتغَّيُر توقعات المتعاملين أصبحت المؤسسات مطالبةً بتطويرِ منتجاتها بما يُحقق رضا المتعاملين، ويضمنُ تحقيقُ ميزةٍ تنافسيةٍ جديدة ومستدامةٍ، بتعزيز مرونتها وَرشاقتها، ومن ثم مزامنة ُالعمل بين وحداتِ الأعمالِ والإداراتِ المختلفة من ناحية، وبين المتعاملين والمورّدين، بغض النظر عن تذبذب الأسواق وما يفعله المنافسون الحاليون والقادمون.
لتضمن المؤسّسات استدامتها، عليها أن تزداد ذكاءً، وتُضاعف قدرتها على التّكيف لتلبية أهواء السّوقِ التي يقودُها المتعاملون. ومثل هذا النّوع من الإدارة – إن جاز أن نُسميها إدارة- صار يتجاوزُ قدراتِ العمالقةِ التقليديين الذين عرفناهم في القرن العشرين. لقد بدأت المؤسسات الرشيقة والمغامرة مبكراً، ووضعت قواعد اللعبة على مقاسها، وابتدعت مقاسات جديدة، واحتلت معظم مساحات السوق قبل أن ينهض البيروقراطيون من فراشهم المريح، ويبدو أن اللعبة قد انتهت، أو هي على وشك. وكما يقول المثل: "الذي سبق، أكل النبق،" ولا عزاء للغافلين.

بقلم : صالح الحموري