الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

ثورة المهارات

بقلم : الدكتور/ معن القطامين 2020-07-27

تتحول المؤسسات والحكومات اليوم بالتدريج من التوظيف اعتماداً على الشهادات، إلى التوظيف استناداً إلى المهارات. فلا يتم توظيف المتقدمين للوظائف الجديدة بناءً على تحصيلهم الأكاديمي، بل على قدراتهم الفنية والتقنية والإبداعية. ولهذا وقَّع الرئيس الأمريكي "ترامب" أمراً تنفيذياً يُلزم الحكومة الفيدرالية الأمريكية انتقاء موظفيها بناءً على قدراتهم ومواهبهم ومهاراتهم العملية، وليس بناءً على التوصيات وشهادات الجامعات التي تخرجوا فيها، أو قدرتهم على إجراء المقابلات الوظيفية. وبدلاً من مقولة: "قل لي من تُصاحب أو ماذا تقرأ، أقل لك من أنت"، نقول: "قل لي ماذا تستطيع أن تفعل، أقل لك من أنت!"
 
ولأن سوق العمل ما زال -حتى اليوم- يعتمد على الشهادات، فما زال للجامعات زبائنها وطلابها. ولهذا يسعى الجميع لنيل الدرجات العلمية والألقاب الأكاديمية. ولكن، ما فائدة الدرجات العلمية في عصر تسيطر فيه التكنولوجيا المتقدمة على كل مجالات العمل والفرص الوظيفية، إنْ لم يتمكن خريج الجامعة من فكَّ شفرة اختراق أمني أو تأمين الحماية للبيانات من الاختراق؟ أليست هذه وظيفة أمن المعلومات، أو ما يُعرف بالأمن السيبراني؟ 
 
تتحكَّم المهارات اليوم في فرص تعيينك في أي وظيفة. ففي حالة الأمن السيبراني عليك إيجاد حلٍّ للاختراق الأمني، فإن لم تستطع، فلن يفيدك حمل عشر شهادات من أعرق الجامعات، حتى وإن تخرجت بتفوق ومرتبة شرف! لكي تعمل في مجال التقنية، عليك إتقان مهاراتها وسبر أغوارها، ولكي تعمل في مجال التسويق، تعلم أولاً كيف تضع خطة تسويق محكمة، وكيف تنفذها، وكيف تقيس نتائجها، ثم مقارنتها بخطط المنافسين، مع توقع احتمالات المستقبل ومتغيراته في صناعتك، وكيف تبدع أنت ومؤسستك في اقتناص حصص سوقية أكبر.
 
في مقالٍ نُشر في صحيفة "الجارديان البريطانية" في شهر ديسمبر 2015، تبين أن متوسط عُمر المُخترق الأمني الإلكتروني 17 عاماً. أي أن من يقومون بتطوير الفيروسات واختراق المواقع الرسمية الحكومية والخاصة لم يلتحقوا بأيّةِ جامعة من قبل! ورغم ذلك، فهم يتقدمون لأعلى الوظائف راتباً، فيتم قبولهم. فالمؤسسات تبحث عن حلول لا عن موظفين عاجزين.
 
جرت العادة على اعتبار وجود الشهادة الجامعية مرادفاً لامتلاك المهارة، ولكن ذلك ما لم يعد كذلك، فالطلاب يدخلون الجامعات، ويتخرجون بشهادات لا تُغني ولا تُسمن من جوع، رغم تكاليفها الباهظة. إذ يُقدَّر حجم ديون الطلبة في أمريكا وحدها حتى عام 2019 بـ 1.6 تريليون دولار، أيّ أن الطالب الخريج في المتوسط، يجد على عاتقه 37 ألف دولار من الديون واجبة السداد، قبل أن يبدأ حياته العملية. ومع ذلك فالدراسة الجامعية لا تقدم سوى المعرفة النظرية، فلا يتم تمكين الطالب من الخبرة العملية في تخصصه. وهذا لا يجدي نفعاً في ابتكار المشروعات وإدارة الأعمال والإدارة الذكية للموارد البشرية، ولا في مجالات تكنولوجيا المعلومات التي تعتمد على المهارات والخبرة العملية والتعلُّم الذاتي المهني. ومن هُنا انبثقت ثورة المهارات التي غيرت مستقبل التوظيف في العالم. تقود ثورة المهارات اليوم مؤسسات عالمية كبرى تملك رؤية استشرافية وتتطلع إلى مستقبل تسيطر فيه على أسواقها وصناعتها في الدول التي نشأت فيها، وفي العالم أجمع. من هذه المؤسسات: آي بي إم (IBM) التي عيَّنت 15% من موظفيها بناءً على مهاراتهم، و"جوجل"، و"فنادق هلتون"، و"أبل"، و"ستاربكس"، وغيرها الكثير. وستتيح ثورة المهارات فرصاً مفتوحة لمن لا يملكون تكاليف الالتحاق بالجامعات، لكي يعملوا ويبدعوا. وعلينا - في هذا السباق- أن نعيد التذكير بأن مؤسسي "ميكروسوفت" و"أبل" و"فيسبوك" لم يحصلوا على شهادات جامعية أبداً.
 
في مُعظم دول العالم، يضطر الطلاب للدراسة في جامعات مُعتَمَدة من الدولة، وهذه الدراسة باهظة التكاليف. وبما أن مُعظم الدول وجامعاتها تحارب التعلم الذاتي والتعليم الإلكتروني بشدة، فالشهادة الإلكترونية لن تجدي نفعاً، مهما بلغت قوتها. وكذلك الأمر مع الشهادات المهنية غير الأكاديمية. وحين يعتمد التوظيف على المعرفة والمهارة، فلن يبحث الطلاب عن شهادة تتم معادلتها والاعتراف بها من قبل وزارات التعليم العالي التي سيتم إلغاؤها. ورغم البيروقراطية الأكاديمية، فلا مناص من إتاحة فرص العمل لشتى الفئات والطبقات الاجتماعية. بل وستضطر الجامعات لابتكار مسارات جديدة للتعليم الإلكتروني وإتاحة التعليم المهني بتكلفةٍ زهيدة، حتى تستطيع المُنافسة، وإلا سيكون مستقبلها مُظلماً، إن بقي لها مستقبلٌ أصلاً.
https://www.youtube.com/channel/UChwbL87DZKjJzcg5eBHOB-Q

بقلم : الدكتور/ معن القطامين