الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

قراءة جديدة ودروس مفيدة من حكاية الأرنب والسلحفاة

بقلم : الدكتور/ أحمد خليل خيرالله 2020-06-15

تعبر القصص الشعبية حتى الخيالية منها عن هوية المجتمعات وثقافتها أكثر من كل أنواع الأدب الأخرى، لأن أفكارها وطروحاتها هي أول ما يَنفَذ إلى وعي ولاوعي أبنائها وأفئدتهم. وتُعد حكاية السباق بين الأرنب والسلحفاة، وهي من الأدب العالمي الكلاسيكي وتنسب إلى "إيسوبAesop" وقصصه الهادفة. وإذ تُقرأ القصة دائماً لا سيما في المناهج المدرسية، لإبراز التناقض والفرق بين تقاعس الأرنب ومثابرة السلحفاة، فإنه يمكن استنباط دروس أخرى كثيرة تتعلق بالطبيعة البشرية وكيفية الفوز في سباق الحياة.
 
1. الموهبة لا تكفي 
هذا ما حدث مع الأرنب حين ظنَّ أن موهبته تكفي وحدها للفوز والتميز، فتسبب هذا السلوك الأرنبي في ثلاثة تصرفات سلبية: الكسل، وعدم التخطيط، والغرور المُقعِد. وهذا طبيعي، فقد ألف "جون ماكسويل" كتاباً كاملاً ليثبت أن "الموهبة وحدها لا تكفي"، بينما نشر"ريان هوليداي" كتاباً آخر لمناقشة كارثة الغرور وعنوانه: "الغرور هو العدو".
 
2. الاستمرارية والاستدامة تصنع الفرق
التصميم والاستمرار من أعظم أسباب الانتصار. فالثبات يُنبِت ولو بعد حين. ويحتاج الاستمرار إلى ثلاث قواعد: تخيُل النهاية ورؤيتها تتحقق، وقد أصَّل لهذا المفهوم "ستيفن كوفي" في كتابه "العادات السبع"، وحافز داخلي قوي يشحننا ويدفعنا، وعدم الانشغال بآراء الناس كما فعلت السلحفاة، فإحداث المفاجأة والرد على المُشكِّكين من صنائع العظماء.
 
3. لا تلتفت لتوقعات الآخرين
لو سارت السلحفاة وفقاً للخطة والخطوات التي رسمها الآخرون لخسرت السباق. ولكن الناجح يقلب التوقعات ويرسم خريطة مساره الخاص. فالرضى بالمعايير الموضوعة خيانة للموهبة والقدرات الكامنة.
 
4. إشكالية التفكير الحدّي
هناك مُعضلة في العقل العربي، وهي التفكير الحدّي؛ فإما أن نذهب إلى أقصى اليمين أو إلى أقصى اليسار. الأرنب والسلحفاة مجرد فكرة، تعبر عن الإفراط الشديد أو التفريط البعيد، وبينهما درجات متفاوتة وخيارات متعددة، فلماذا لا تُطرح تلك الخيارات والبدائل في قصصنا؟!
 
5. العودة إلى التمتين
تشكِّل نظرية التمتين لصاحبها "نسيم الصمادي" حلاً طبيعياً لإدارة المواهب في كل مجتمع، وهي تلامس عناصر كثيرة في تلك الحكاية. فما الذي أتى بالسلحفاة إلى هذا السباق من الأساس؛ أليس كلٌّ مُيسَّر لما خُلق له؟ نحن نزرع في عقول من يقرؤون القصة، أن في خروجك من ساحاتك ومجالاتك حلاً لمشكلاتك، في حين يكمن الحل في علاج أخطائك وتمتين نقاط قوتك برفع شعار: "متِّن نقاط قوتك وأظهرها، وأدِر نقاط ضعفك وأخِّرها".
 
6. الإمكانية والنفسية والعقلية ثلاثية النجاح
الإمكانية عند الأرنب كانت مميزة، ولكنه حمل نفسية عنوانها الغرور والكبر والاعتماد على الموهبة وحدها. وكانت للسلحفاة إمكانية ضعيفة ونفسية صلبة عنوانها قوة الإرادة، وعقلية تركز على الصورة الكلية ولا تنشغل بالتفاصيل.
 
7. النجومية رحلة حياة لا ضربة حظ
كم طُردت الأرانب من مؤسسات كانت في أمسّ الحاجة إليها لمجرد أنها خسرت أول سباق؟ وكم طُرد مدير ولاعب ومدرب للسبب نفسه؟ وكم سلحفاة استمرت تمثل مؤسستها لأنها سجلت هدفاً واحداً أو فازت بضربة حظ؟ وظيفة القيادة الملهمة هي التوجيه والتدريب والتحفيز بعد كل خطأ يحدث في كل سباق، بدلاً من تبنِّي عقلية نهاية العالم وإنهاء خدمة الموظف لارتكاب خطأ وحيد وهو يحاول الابتكار والتجديد.
 
فهل لعبت دور الأرنب أو السلحفاة يوماً ما؟ أم اكتفيت بتشجيع أحدهما؟ لا تصدق هذه الحكاية، فالسلاحف لا تسبق الأرانب، والأرانب لا تقبل منافسة السلاحف، لأنها تثب وتقفز مزهوة بسرعتها الطبيعية وكأنها تسابق الريح. فعلى أرض الملعب كما على أرض الواقع، لا يصح إلا الصحيح.

بقلم : الدكتور/ أحمد خليل خيرالله