الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

رسائل غامضة من كوفيد 19

بقلم : نسيم الصمادي 2020-04-22

 تلقينا رسائل ودروساً كثيرة ­­من المُعلم "كورونا"، بعضها مشَفَّر لن نفهمه أبداً، وبعضها صريح لا يحتاج إلى تعليل وتحليل. وبكل المقاييس، تعد صفعة "كورونا" الأخيرة أكبر درس في القيادة تعلمته البشرية عبر التاريخ، فما كُتِب حول الجائحة من مقالات ودراسات حتى الآن، لا يقل عن عدد سكان الكوكب.
 
سافر أحد أبنائي في إجازة إلى الصين أواخر شهر ديسمبر 2019، وعاد في أول يناير 2020، وأثناء وجوده هناك اعترفت الصين بوجود وباء "كورونا" بعد إنكار دام بضعة أسابيع. وبعد العودة بعشرة أيام أصيب بمرض شديد ذي أعراض تشبه أعراض "كورونا" التي عرفناها لاحقاً. وتواصلت سلسلة العدوى حتى طالت معظم أفراد الأسرة، وقد تفاوتت شدة الإصابة من فرد إلى آخر، ولم ينجُ منها إلا "أنا" لأسباب لا أعرفها. وفي حوار أسري شبه ديموقراطي، رحنا نتساءل ما إذا كانت تلك العدوى "كورونا" أصلية أم إنفلونزا عادية. ثم انقسمنا إلى فريقين: الأول يُرجح أن العدوى صينية وأن شدة الأعراض وطول فترة المرض تشير بأصابع الاتهام إلى الفيروس اللعين. بينما استبعد الفريق الثاني هذا الاحتمال تماماً. وقد كنت وما زلت ميالاً إلى ترجيح رأي الفريق الأول بسبب رحلة الصين، واعتراف المصابين بأنهم لم يعانوا من إنفلونزا بهذه الحدة من قبل. هذا فضلاً عن ميلي الطبيعي إلى الربط بين المتغيرات، وتحميل المصادفات المزيد من الدلالات، والنظر إليها كمُسلمات وتحويلها إلى قناعات.
 
هناك فرق بين التسليم بخطورة "كورونا" والاستسلام له. تابعت معاناة وتصريحات "كريس كومو" مذيع "سي إن إن" الشهير، وتأكيده أن النجاة تبدأ من عدم الخوف، ثم الصمود والمبادرة بالهجوم. فكما يتصرف الأفراد في المواقف الحرجة، تتصرف الدول في مواجهة الأزمات وقيادة الحروب؛ من يدافع يخسر، ومن يهاجم يفوز. عندما تتعرض للهجوم لا تستطيع رسم المسارات أو المفاضلة بين الخيارات. حتى فترات الاستراحة والتقاط الأنفاس، يحددها المهاجمون لا المدافعون. ولذا يبقى السبيل الوحيد لتحديد نتائج أيَّة معركة مرهوناً بالقدرة النفسية -لا المادية- على التحول من الدفاع إلى الهجوم.
 
وفي 19 أبريل 2020، نشرت مجلة "أتلانتك" مقالاً مطولاً بعنوان: (ربما تكون رئيسة وزراء نيوزيلندا أعظم قائد في العالم اليوم). ذلك أن تلقائيتها وبساطتها في التواصل مع شعبها، وتركيزها على التعاطف، لم يلقَ استجابة النيوزلنديين فقط، بل سهل على الدولة الانتصار على "كورونا"، كما يرى كاتب المقال. وكانت مجلة "فوربز" قد نشرت مقالاً طريفاً أعادت نشره مئات الصحف والمواقع العالمية لأنه لفت النظر إلى أن أنجح 7 دول في التعاطي مع جائحة "كورونا تجمعها" سمة واحدة، وهي تمتعها بقيادات نسائية شابة ومتعاطفة ومبدعة، وهي: فنلندا، ونيوزيلندا، وتايوان، والدانمارك والنرويج، وألمانيا، وآيسلندا.
 
وقد لاحظت أن استجابة وإدارة الأردن للأزمة تتماهى إلى حد كبير مع النمط القيادي الأكثر نجاحاً -حتى الآن- والمتمثل في استشعار الخطر، وسرعة الاستجابة له ومواجهته بحزم، ثم تمكين أهل الخبرة، وتفويض التنفيذيين للفنيين، وثقة السياسيين بالمتخصصين والمحترفين.
 
في ألمانيا لجأت "أنجيلا ميركل" إلى العلم وهي عالمة، وفي نيوزيلندا وظَّفت "جاسيندا آردرن" وسائل التواصل الاجتماعي وهي خبيرة تواصل، وهذا ما حدث في الأردن أيضاً حيث تألق وزير الصحة وجراح القلب الدكتور "سعد جابر" فأسعد الناس وجبر خواطرهم عبر رسائله اليومية التلقائية والموضوعية. بالمقابل فشل "بنيامين نتانياهو" في توظيف الجائحة لأغراضه الانتخابية، وعين "ترامب" نائبه قائداً لفريق الأزمة ثم حَيَّده وواصل لعب دور النجم الهوليودي المغامر، وسَخِر الرئيس البرازيلي "جاير بولسونارو" -وهو ضابط سابق- من "كورونا"، عاكساً نمطاً عسكرياً جامداً بدأ بإنكار المرض، وانتهى إلى عشوائية وارتباك في إدارة الأزمة.
 
في قصة "من حرك جبني" التي رشَّحتُها كواحدة من أفضل خلاصات كتب إدارة التغيير واتخاذ القرارات أثناء الأزمات، تصرف الفأران "شمام" و"سريع" بسرعة وتلقائية من دون البحث عن مبررات للنجاة وعدم الخوف من الحياة. بينما اختلف العاقلان "متوكل" و"متواكل" وراحا يضربان أخماساً بأسداس، فأربك أحدهما الآخر، وانتهت الحكاية بنجاة المتوكل، وضياع المتواكل. وهكذا، في الحروب التقليدية يتحقق الفوز بالخداع والمباغتة أو بالقوة العسكرية الغاشمة. وفي الحروب الذكية، يتحقق الفوز بالعلم والمعرفة والقوة الناعمة المفعمة باللمسة الإنسانية.
 
فلمن سيكتب الفوز في رأيكم: الحيوان أم الإنسان؟ "ترامب" أم منظمة الصحة العالمية؟ الدولار أم الدواء؟ السلاح أم اللقاح؟

بقلم : نسيم الصمادي