الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

كورونا المتجدِّد وواقع العالم الجديد

بقلم : نسيم الصمادي 2020-03-25

يقول "جوناس سالك": "إذا اختفت كل الحشرات من الأرض، فإن الحياة ستنتهي تماماً خلال خمسين عاماً، وإذا اختفى كل البشر من الأرض، فإن كل أشكال الحياة ستزدهر خلال خمسين عاماً". كان "سالك" باحثاً طبياً مشغولاً بمستقبل البشرية، وهو مكتشف مصل الوقاية من شلل الأطفال، ولم تكن مقولته لتشتهر لولا إشارة الفيلسوف الإنجليزي "كين روبنسون" إليها عبر محاضرته الشهيرة على موقع TED، فـ"روبنسون" أيضاً مشغول بمستقبل التعليم والتنمية والابتكار، وكان في صغره واحداً من ضحايا شلل الأطفال قبل اكتشاف مصل الوقاية منه.
 
ولم أكن لأشير إلى هذه المقولة لولا قناعتي بأن فيروس "كورونا" هو عقاب أرسله الله إلينا في غفلة منا، لعلنا نُعيد إلى الطبيعة وابنتها البيئة، حقها وحيويتها، بعدما ظلمناها وأهلكنا زرعها، وجفَّفنا ضرعها وهتكنا سرها. فيا لنا من نابهين غافلين! كريمين أنانيين! ظالمين مظلومين! وقاتلين مقتولين!
فهل يندثر عالمُنا بعد كورونا أم يزدهر؟
كمفكر مستقبلي ومراقب لتداعيات سلاسل الأحداث وترابطها، أرى أن:
  • البيئة: تزدهر بسبب منع التجول وصفاء الأجواء، وتوجُّس القلوب وخلو الدروب وهدنة الحروب، واصطفاف الطائرات وموت المطارات وتباطؤ السيارات وتوقُّف الصادرات وكساد المخدرات، ومنع التهريب وتوقف التخريب، وتراجع الاستهلاك والعزوف عن الامتلاك.
 
  •  العلم: ما الذي يجعل الناس يثقون بالمراهقة السويدية "جريتا ثنبرج" أكثر من رئيس أكبر دولة ديموقراطية في العالم؟ رغم المناهج العلمية التي صنعت تقدم العلم والعالم، فإن إجماع جموع وجماعات وجمعيات العلماء هو ما يعطي العلم مصداقيته. عندما يشذ بعض العلماء عن الإجماع ويبرِّرون للساسة أكاذيبهم وفسادهم ينحرف العلم عن مساره فيصيب الأهداف الخطأ، فبدلاً من دراسة وفهم روح ونفس وجسد الإنسان، راح العلماء يكتشفون الفضاء ففشلوا في تحليل دمائهم وفهم مناعتهم، وبينما هم ينتظرون غزواً من الفضاء الخارجي، فاجأهم "كوفيد 19" وغزاهم من الداخل، فلينتظر العالَم عاماً وبعض عام ليُجمِع جُموع العلماء على الدواء الناجع الصحيح، بعد فوات الأوان وإصابة وموت الملايين.
 
  • المجتمع: على مدى التاريخ، كان الجنود يُضحُّون بأنفسهم لتعيش شعوبهم وتزدهر أوطانهم، ومع "كورونا" تغيرت المعادلة الاجتماعية فسارت سرايا الأطباء وكتائب الأطقم الطبية والتمريض في الصفوف الأولى وسقط منهم عشرات الشهداء، واحتل الجنود شرف المرتبة الثانية فتكفَّلوا بدفن الموتى وحراسة الأسواق وفرض حظر التجول، وبعد عقدين من التواصل الاجتماعي الافتراضي المزيف، أعادنا كائن غير مرئي إلى بيوتنا وأُسَرنا وأعاد اختراعنا ككائنات اجتماعية قادرة على التواصل.
 
  • السياسة: وضع "كورونا المسمار" الأخير في نعش النظام العالمي الجديد ورفع آخر جدار في وجه العولمة حين بنى الساسة الأسوار العنصرية في وجه المهاجرين بذريعة محاربة البطالة، وإذ يقف العالم ليدافع عن نفسه في وجه الغزو الفيروسي اللعين، يجد نفسه يحارب عدواً لا يراه، ويخوض حرباً لا يدري متى تنتهي، فالدول الديموقراطية لا تخوض الحروب إلا بقرارات وموافقات برلمانية بعد وضع خطط استراتيجية مدروسة، ولكن أجبرها "كورونا" على خوض حروب لا تشبه الحروب العسكرية في شيء سوى أنه لا أحد يعرف متى تنتهي، وأنها تهدِّد النظم الديموقراطية التي اخترعتها، وبينما نجحت بعض الدول الخاضعة لحكم الحزب الواحد أو لديكتاتور مستبد في إدارة الأزمة بشجاعة وشفافية، رأينا "ترامب" يرتجف أمام وسائل الإعلام وكأنه يعاني أعراض "كورونا" حقيقية. لقد نجحت الدول الأوتوقراطية في تحجيم الخسائر، بينما أصيب قادة الغرب المتقدم بالذعر، واختبؤوا في محاجرهم خوفاً من الفيروسات، بدلاً من الصواريخ التي شيَّدوا ترساناتهم النووية لمواجهتها.
 
  • الإدارة والاقتصاد: هاجمنا "كوفيد19" على حين غرَّة، ليرسل ملايين العاطلين عن العمل إلى بيوتهم، ويرفع الدَّين العالمي إلى مستويات فلكية، ويُلغي نظريات رأس المال وآليات العرض والطلب، ويصيب مؤسسات الغرب ونظمه الإدارية في مقتل، وقد جعلنا نعيش اليوم ونعمل في بيئة مفتوحة وموزعة، فالكل يعمل عن بعد ويتواصل إلكترونيّاً وكأن العالم قد أجمع على تحريم الاختلاط، وفي حين نجحت الصين وكوريا في الإدارة التنفيذية واللوجستية لأزمة "كورونا"، فشلت الدول التعددية وذات النظم الإدارية التكنولوجية المتقدمة في اتخاذ قرارات تواكب سرعة انتشار الفيروسات.
 
  • استشراف المستقبل: يُعد "كورونا" اليوم أشهر شاهد نفي لما كان يسمَّى التخطيط الاستراتيجي، والإدارة بالسيناريوهات، واستشراف وصنع المستقبل، والبيانات الكبرى، والثورة الصناعية الرابعة، والواقع الافتراضي المعزز، والحكومة الرشيقة، وغيرها من الاتجاهات التي حاولت صنع حقائق ووقائع إدارية جديدة، وفي العام الماضي واجهت شركة "بوينج" العالمية حقيقة الإفلاس بسبب فشل محرك طائرة وبرنامج كمبيوتر ذكي، وأما اليوم تواجه كل شركات الطيران العالمية الإفلاس بسبب بصقة خفاش ميت.
 
الواقع الحقيقي الجديد هو أنه ليس هناك واقع أو حقيقة مؤكدة، سوى أن التغيير الدراماتيكي المخيف هو الثابت الوحيد، وأن استحالة التنبؤ بأي شيء والعودة إلى الله والإيمان بالقدر هي الحقائق الوحيدة المؤكدة.

بقلم : نسيم الصمادي