الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

إدارتنا لأزمة كورونا

بقلم : نسيم الصمادي 2020-03-22

 
القراء والزملاء الأعزاء، أرجو لكم السلامة والسلام وعدم الاستسلام.
بعد أن استبقنا الأحداث وبدأنا العمل من منازلنا قبل غيرنا، وجدتني أجلس وحيداً في مكتبي، محاطاً بآلاف الكتب وثلاثة أجهزة ذكية، ورائحة القهوة الطازجة تملأ المكان، ولا أخفيكم أن القلق يُساورني حول مستقبل أعمالنا، وأمتنا، ومستقبل العالم برمته.
 
ما تعلَّمناه وعلَّمناه خلال العقود الثلاثة الماضية هو أن نركِّز على دوائر اهتمامنا، وندير أزماتنا في حدود مسؤولياتنا وصلاحياتنا، فسواء جاءتنا عدوى "كوفيد 19" من خفافيش الصين، أو من حروب بيولوجية سرية بين أمريكا والصين وإيران، فإن مسؤولياتنا والتزاماتنا لن تتغير.
علينا أولاً أن نحافظ على صحتنا وسلامة أسرنا وموظفينا، وعلينا ثانيًا أن نتعاطف مع المضارين ونمد يد المساعدة قدر المستطاع، وعلينا أخيراً أن نطور أعمالنا وخدمة عملائنا؛ ففي هذا اليوم تحديداً، وبعد أيام من بدء العمل عن بُعد، أطلقنا تطبيق "إدارة.كوم" على منصة "أبل" iOS بعد أن أطلقناها على أندرويد بشهرين، لنؤكِّد لكم أن الحياة مستمرة، والتطوير مستمر، والتعلم كذلك.
 
توقع المستقبليون أن يبدأ الناس بالعمل عن بعد منذ اختراع الحاسب الشخصي في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وتأكد تسارع الظاهرة مع اختراع الهواتف الذكية وطغيان وسائل التواصل الاجتماعي. منذ عقدين من الزمن يعمل معنا زملاء من مدن بعيدة، بل إن الذين سجَّلوا حلقات الإدارة في السيارة والملخصات الصوتية لتطبيق Best Book briefings لم نرهم ولم نعرف أسماءهم. كنا قبل جنون "كورونا" نعمل من ثلاث دول وبثلاث فرق موزعة بين القاهرة ودبي والأردن، وقد اعتدنا التعاون وحل المشكلات الفنية والإدارية وخدمة العملاء عن بعد، ورغم كل هذا تبدو الأمور اليوم مختلفة تماماً.
فما الذي افتقدناه أو أضفناه عبر تجربة العزلة والاختباء الإجباري؟
أشعر اليوم أن أفراد أسرة "إدارة.كوم" قد تباعدوا تماماً. صحيح أننا نتواصل يومياً، ونتحاور عبر مجموعات الواتساب المتعددة، إلا إن النكات اللطيفة والضحكات الجميلة قد اختفت، وها نحن ننتظر عودتها. منذ ثلاثة عقود وأنا أطبِّق سياسة الباب المفتوح، وقد اعتاد الجميع دخول مكتبي -في معظم الأحيان- من دون استئذان، وكنت كثيراً ما أذهب إلى المكاتب لأطلق بعض التعليقات الخفيفة وأسرِّي عن الجميع لإزالة التوتر وبث المرح قبل أن أعود إلى مكتبي. كان العمل في مكاتب مفتوحة يُشعرنا بالأمان، ويبدو هذا الشعور غائباً اليوم ونحن نتعامل بشكل إلكتروني يفتقد التلقائية والابتسامات الطبيعية. كنا عندما نواجه أزمة، كبيرة كانت أم صغيرة، نجتمع ونتناقش بشكل ودي وشفافية، حيث يعرف الجميع معظم ما يجري في الشركة وفي معظم أنشطتها، حتى عمليات التطوير والخطط والأفكار الجديدة يتم طرحها للبحث وسماع رأي الزملاء المعنيين بها مباشرة، واليوم تبدو مناقشة كل شؤون العمل عبر الواتساب أو البريد الإلكتروني أكثر صعوبة، كما تبدو غير مرغوبة.
 
من أبرز مشكلات العمل عن بعد ولفترات طويلة، ذلك الإحساس بالوحدة، فمهما تلقَّى الموظف من رسائل تحفيزية من رؤسائه، فإن إحساسه بالعزلة يزيد كلما طالت فترة ابتعاده، ويعتبر العاملون عن بعد من أكثر المرضى المتردِّدين على العيادات النفسية في الدول الغربية، ولا أرى أن هذه المشكلة ستواجه موظفينا وغيرهم من المعزولين مؤقتاً في الدول العربية، ففي المجتمعات العربية نعيش في أسر ممتدة، ومعظم بيوتنا مزدحمة حيث تتجمع الأسر ويتعدَّد أفرادها، على العكس من المجتمعات الغربية. حتى ليمكن القول إن مشكلتنا هنا عكسية، فقد لا تُتاح لبعضنا مساحات وفرص ووقت للتركيز والعمل لساعات بعيداً عن الضوضاء وتدخلات الأهل واتصالات الأصدقاء.
 
في هذه المرحلة سيزيد تعلقنا بوسائل التواصل الاجتماعي، وتشتُّتنا معها، وسنراقب الأخبار على مدار الساعة، وسنرسل بعض ما يصلنا وبعض أفكارنا إلى الكثيرين، خلال ساعات العمل وبعدها أيضاً، ولأن التشتيت الإلكتروني يَعوق الإنتاجية، كان لا بد من وضع نظام للمتابعة اليومية، لترسيخ الثقة بكل أعضاء الفريق، وحفزهم على بذل جهد أكبر في هذه المرحلة الحرجة، ولأن نظام المتابعة الإلكتروني الذي طبَّقناه لا يكفي كبديل للاجتماعات، فقد أضفنا إليه بعض الحوافز المالية للزملاء الأكثر إيجابية ومبادرة وإنتاجية وابتكاراً خلال هذه المرحلة، وإذ نتوقع ونرجو أن نعود إلى العمل من مكاتبنا المليئة بالكتب والروح الأخوية واللمسات الإنسانية قبل نهاية هذا الشهر، أو مع مطلع الشهر القادم، إلا إن هذه الأمنية لن تتحقق، ولن تكون النهاية سعيدة ما لم نلتزم بعزلتنا ونُحجِم عن المخاطرة بحياتنا وحياة غيرنا، ونلتزم بكل قواعد وإجراءات السلامة التي يتم تشديدها يوماً بعد آخر.
 
آخر الأخبار تؤكد خلو الصين من أية إصابات جديدة، وقد وصلتنا فيديوهات تصوِّر عودة الحياة إلى طبيعتها والموظفين إلى مكاتبهم، وإذ احتاجت الصين إلى أكثر من شهرين للسيطرة على جائحة كورونا، فعلينا وعلى كل العالم أن يتعلَّم من التجربة الصينية. في البداية واجهت الصين الأزمة بشيء من الاستهتار والإنكار، وعندما تأكدت الحكومة من خطورة الموقف التزم الصينيون بأعلى درجات الانضباط والتعاون، مستخدمين أحدث معطيات التكنولوجيا، ومكرِّسين كل وقتهم وجهدهم لتجاوز المحنة بأقل قدر من التضحيات. ما خسرته الصين من أفراد وأموال يقل كثيراً عما تخسره أوروبا وأمريكا اليوم، فقد انضبط الصينيون ونجوا، وعلينا أن نلتزم ثم نتوكل على الله، وننتظر الفرج والفرح قريباً إن شاء الله. وعلى الله فليتوكل المتوكلون والمؤمنون والواثقون، فالانضباط والالتزام بالنظام والعمليات التي تخدم الخطط والأهداف، والتفكير الإيجابي، والابتكار المستدام، هي الأسس التي تُبنَى عليها المؤسسات والمجتمعات، في أوقات الأزمات، وفي كل الأوقات.

بقلم : نسيم الصمادي