الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

سر مدرب ليفربول "يورغن كلوب"

كن بسيطاً وسعيداً، تكن نجماً

بقلم : نسيم الصمادي 2020-02-02

هناك من يقارن بين المدرب الألماني "يورغن كلوب" والاسكتلندي "أليكس فيرغسون" الذي درَّب مانشستر يونايتد قرابة ثلاثة عقود، وحقَّق مع الفريق 38 كأساً وجعله أفضل نادٍ في العالم، وفي أثناء تأليفي لكتاب عن أخطاء "ستيفن كوفي" في كتابه "العادات السبع"، دأبت على قراءة كتب القيادة، ومما لاحظته أن خطأ "كوفي الأول" يكمن في فرضيته الأولى التي لخصها في عنوان الكتاب الفرعي حين كتب عن "الدروس القوية في تغيير الذات" لأن سر العظمة يكمن في أن تكونَ نفسك، لا أن تُغيِّر نفسك.
 
وفي دراستي لشخصية "يورغن كلوب" قرأت كتاب "أليكس فيرغسون": "القيادة في الميدان: دروس من حياتي وسنواتي في "مانشستر يونايتد"، وأول ما لاحظته أيضاً هو أن أوجه الفرق بين النمط القيادي للمدربين الناجحين أكثر من أوجه التشابه.
 
كان "فيرغسون" قائداً صارماً ومتحفظاً ومتأنقاً ورسمياً وأرستقراطياً ويدرِّب مثلما يأكل؛ بالشوكة والسكين، وكأنه من طبقة النبلاء، ونجد "كلوب" ودوداً ومنفتحاً وبسيطاً وتلقائياً ومبتسماً وكأنه من طبقة الفلاحين. الشبه الوحيد بين المدرِّبَين هو قدرتهما على وضع اللاعب المناسب في المركز المناسب، والطاقة الإيجابية والحيوية التي يبثُّها كل منهما في اللاعبين في الملعب وخارجه. كان "فيرغسون" يتحداهم، وصار "كلوب" يصاحبهم. حين طُلِب من "كلوب" أن يقارن نفسه بـ"مورينيو" البرتغالي قال: "أنا إنسان ومدرب عادي، وقادم من الغابة السوداء -أي من الريف- ولا أقارن نفسي بالمدربين الكبار"، وهذا هو سر عظمته من وجهة نظري.
 
هناك صفة واحدة بارزة يشترك فيها العظماء وهي سمة قلَّما يلاحظها القادة في أنفسهم، وقلما تبرزها كتب القيادة، حيث يلاحظها التابعون والمنافسون أكثر من القادة أنفسهم؛ أن العظماء لا يتنافسون مع غيرهم ولا يقارنون أنفسهم بالآخرين، بل يقارنون نتائجهم بعضها ببعض، وماضيهم بحاضرهم، وحاضرهم بمستقبلهم، ويعيشون حالة ذهنية تتماهى مع الكمال والإتقان والتميز كشؤون شخصية وحالات إنسانية ذاتية، وليس كممارسات عملية وإنجازات مؤسسية فقط. في عالم الأعمال، نجدهم لا يهتمون كثيراً بأرقام المبيعات التي حققوها والمنتجات التي أبدعوها، والمكافآت التي جنوها، ولا تصفيق الجماهير التي أبهروها. ما يغريهم ويحدوهم هو النسخة الأمثل والأكمل من نجاحاتهم ومن ذواتهم، بل إن العظمة بالنسبة إليهم هي مجرد صورة لا فكرة، وحالة عابرة لا صفة راسخة، ولهذا يواصلون البحث عن أجمل ما فيهم وفي فرقهم وتابعيهم، ليخلطوا مواهبهم بمواهب زملائهم وعملائهم وجمهورهم، وينتجوا مزيجاً من الجمال والكمال والأداء والعطاء، وهو أداء يمكن رؤيته واستشعاره ولا يمكن وصفه.
 
صرت شغوفاً أكثر بكرة القدم بعد تألق "محمد صلاح" ودراستي لشخصية مدربه "يورغن كلوب". قرأت مؤخراً أن نادي ليفربول أكثر نادٍ في العالم -في السنوات الأخيرة على الأقل- يُسجِّل أهدافاً في اللحظات الأخيرة بعد الدقيقة (90)، ومن المؤكد أن لذلك سبباً. يقول "كلوب": "طريقتي في القيادة هي طريقتي في الحياة"، والحياة لعبة لا تتوقَّف إلا في نهايتها، ويضيف: "أملك قدماً من الدرجة الرابعة وعقلاً من الدرجة الأولى"، "أنا دائماً مسؤول عما يحدث حولي، وعما يجري من حوار بيني وبين الآخرين"، "عندما تدخل مكاناً أو تعمل في مكان، إما أن تبعث فيه الطاقة والحيوية، أو تُحبِط وتَخذُل من فيه. أنت المسؤول".
يلعب "كلوب" دور القائد المتسامي، فلا يعتبر نفسه عظيماً ولا حتى قائداً، بل هو إنسان عادي يعمل مع لاعبين عاديين. العظمة تنبع من الخلطة السرية الناتجة عن البساطة والمودة والشفافية والتلقائية والحب. عندما يُسجل فريقُه هدفاً، يقفز "يورغن" الكبير مثل طفل صغير. يُحب المشجعين كما يحب اللاعبين، يهتم بالمزيج أكثر من الأهازيج. أحضر إلى فريقه لاعبين عاديين وصنع منهم نجوماً وأبطالاً استثنائيين؛ هم نجوم لأنهم أحرار في أدائهم وأساليبهم الخاصة في التعبير عن أنفسهم. كن بسيطاً وحساساً وتلقائياً وطفلاً لعوباً سعيداً مثل "يورغن كلوب" تكن نجماً عظيماً، هذا هو السر.

بقلم : نسيم الصمادي