الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

كي لا ينخر سرطان الدبلوماسية في الثقافة المؤسسية

بقلم : د. معتز جميل سوبجاكي 2018-12-15

تسعى معظم المنظمات إلى ترويج مفهوم الثقافة المؤسسية وهي تتنافس وتتفاخر بهذه الشعارات الرنانة، ولا يمر اجتماع إلا ونسمع هذا المصطلح من جميع المديرين وحتى صغار الموظفين، فهل هناك ثقافة مؤسسية بالفعل؟ وهل هذه الشعارات حقيقية وفعالة؟

 

وفي معظم المؤسسات أيضاً نسمع مصطلحاً آخر يتداوله بعض التنفيذيين ليعبِّروا به عن ضرورة تقديم بعض التنازلات، بحيث يناوِر المدير ولا يتخذ قرارات حازمة مراعاة للألاعيب السياسية، مع الخلط بين المرونة والدبلوماسية المؤسسية، فالمدير لا يُظهِر شخصيته الحقيقية ولا يطالب بصلاحياته الكاملة ولا يستمع للنصائح الجوهرية التي تصبُّ في مصلحة المنظمة مراعاةً للدبلوماسية.

 

في أحد برامجي التدريبية تناولت الموضوع، فسألني أحد المتدربين: لماذا هناك هذا النوع من الممارسات غير الاحترافية في المؤسسات العربية؟ قلت: افترض أنك مدير عام الاستثمارات في مؤسسة عائلية يديرها أبناء العائلة، ويتبع كلاً منهم تنفيذيون مختلفون يدينون له بالولاء، وكلهم يعملون لمصلحة المؤسسة دون تشكيك بولاءاتهم، فمع من تقف إذا ما بدر تصرف غير قيادي من مديرك المباشر؟ هل ستقف ضد مديرك وأنت تتمتَّع براتب وبدلات مميزة رغم التزامات العائلية المرهقة؟ وجاء رد المتدرب: سأستخدم الدبلوماسية لأتحاشى أي ردَّة فعل تجاهي!

 

وفي موقف آخر وخلال مجالستي لصديق يعمل مدير عمليات، أتاه اتصال وسمعته يوافق على كل شيء يطلبه منه المتصل، وبعد دقائق أتاه اتصال آخر في نفس السياق، وأجاب أيضاً بالموافقة! فسألته: كيف ستنفذ أمرين متناقضين لمديرين كبيرين بينما لا يقبل أي منهما أن يتم إنجاز الأمر بتوجيه من الآخر؟ فقال: سأنفِّذ الأمر بأقل الخسائر بحيث لا يفوز أحدهما على الآخر. قلت: وماذا لو كانت توجيهات أحدهما هي الأفضل؟ قال: الدبلوماسية المؤسسية تقتضي أن أنفِّذ جزءاً من كل طلب فلا يظهر أي منهما منتصراً! كلنا نعرف الصراع المحتدم بينهما.

 

هذا ما يحدث في المؤسسات؛ كل موظف يهتم بمنصبه وأهدافه الشخصية ويُضحِّي بمصلحة العمل في معظم المواقف وفي كل الأزمات، وهذه آفة الثقافة المؤسسية التي تُنهِك المنظمات حين يُحجم الجميع عن قول الحقيقة لضمان مناصبهم ورواتبهم، والخطأ ليس خطأهم؛ بل هو السلوك التنظيمي السلبي الذي سمح لهذا المرض بالتفشي في كيان المنظمة، بينما نرى المديرين الأخلاقيين والجريئين الذين يضعون مصلحة العمل أولاً بلا تقدير ولا دور استراتيجي، لأنهم يُحرِجون قياداتهم ويَقرعون الأجراس كلما رأوا بارقة خطر. ولهذا السبب تحديداً، وللمحافظة على استدامة المنظمات وتحقيق أهدافها في كل الظروف، وبخاصة في الظروف الحرجة، أنصح المنظمات باستئصال هذا السرطان التنظيمي الذي يُسمونه دبلوماسية وسياسة مؤسسية.

بقلم : د. معتز جميل سوبجاكي