الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

لماذا يفشل القادة الأشداء؟

بقلم : نسيم الصمادي 2018-10-28

عندما لخَّصت كتاب "إعادة اختراع القيادة" في عام 1996، قدَّمت أول تعريف متكامل لمصطلح التمكين الإداري الذي كنت أطلقته في صيف عام 1993. عَرَّفتُ التمكينَ حينذاك، وقد كان من أكثر مصطلحات الإدارة استخداماً في التسعينيات، بأنه: "تفويض الصلاحيات والمسؤوليات للعاملين، ومنحهم الحرية الكاملة لأداء العمل بطريقتهم دون تدخل مباشر من الإدارة، مع توفير الموارد الكافية وبيئة العمل المناسبة لهم، وتأهيلهم فنياً وسلوكياً لأداء العمل، والثقة المطلقة فيهم، أي أن القائد يُمكّن العاملين من عملهم ومن مستقبلهم؛ وبهذا تدل كلمة "تمكين" على المعنى لغوياً واصطلاحياً".

وأذكر أنني صنَّفت القادة تبعاً لسلوكهم التنفيذي ومراحل نضجهم، إلى خمسة أنواع شملت: القائد المدير والقائد الطبيب والقائد المُطوِّر والقائد الخفي والقائد المُتَسَامي، وعندما فكرت في العودة إلى تناول هذا الموضوع تفصيلاً لتطوير هذه المفاهيم، اكتشفت أنني أغفلت دور "القائد الخادم" الذي يتمتع دون سواه من أنماط القادة بميزة عملية في غاية الفاعلية؛ ألا وهي قدرته على استدامة مشروعه القيادي أثناء حياته وبعدها، وذلك لأن الخدمة كمبدأ ومصدر للوعي تقي قادة المؤسسات في كل الظروف والأوقات، من الوقوع في مساقط القادة الأشداء على المدى الطويل.

ينجح القادة الأشداء على المدى القصير دائماً، ويفشلون على المدى الطويل دائماً أيضاً، ولهذا أسباب وقوانين قلَّما يُفكرون في قراءتها، وإن قرؤوها لا يستطيعون استنطاقها، فما يدفع الآخرين للتعلُّق بنا وما يدفعنا لاستبصار أحلامهم هو التعاطف والنوايا الاستراتيجية الكامنة في صدورنا، ونحن نتواصل ونتفاعل ونتكامل معهم، فمن قوانين الحياة ومنطقها، أن يتخلى الناس عن قائدهم بعدما يتخلى القائد عن دوره الفطري، ما يعني أن دوره الجوهري هو رفع الروح المعنوية لتابعيه ومساعدتهم على التقدم والنمو، ورسم صورة مشرقة أمامهم، ليشعروا بوعود المستقبل الذي سيجود عليهم ويُقدّم لهم فرصاً أفضل.

عندما يلعب القائدُ الخادمُ أدواره القيادية بوعي وبنوايا فطرية وانحياز لمبدأ خدمة الآخر، ما يلبث أن يعتريه النضح فتصبحُ الخدمةُ نمطه الحيوي اليومي، وغذاءه الروحي اللذيذ، فعندما تعتزم الخدمة وتتبناها كرسالة حياة، يتحول تركيزُك من التمحور حول الذات، إلى الانصهار في المجموع، بغض النظر عن منصبك ورتبتك ومُسماك الوظيفي ومكانك على سُلَّم الهرم التنظيمي، وبالمقابل ينزع القائد المخدوم إلى سلوك المغرور والأناني، فيمارس ألاعيبه الدبلوماسية في بيئة العمل، ويجود على أتباعه بالنقد أي (المال)، ويُحجم عن الانتقاد كي لا يُغضبهم، ويعيش نوبات متواصلة من الانفعال غير الفعال، فيكشف الأقنعة عن شخصية انفعالية وأنانية بلا فاعلية!

نعم، عندما لا يعي القائد الإداري في المؤسسات الحديثة دوره الفطري كخادم، تتحول ثقته إلى غرور، ويتحول فريقه إلى مجموعة هُتاف صمَّاء، وتتحول رؤيته إلى هاجس مؤلم، ثم يتحول التفويض إلى فوضى، والتغيير إلى توفير، والإصرار إلى جمود، والحب إلى حرب، والتمكين إلى تطمين وتسكين، فتفقد المؤسسة بوصلتها نحو المستقبل وتتوه في زحام الواقع أو تسقط في نفايات العالم الافتراضي.

بقلم: نسيم الصمادي

 

بقلم : نسيم الصمادي