الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

التوظيف الذكي يضمن استدامة المؤسسات باستدامة رأسمالها البشري

بقلم : د. معتز جميل سوبجاكي 2018-10-23

لا أبالغ إن قلت إن أهم دور في إدارة الموارد البشرية هو اختيار المورد البشري صاحب الخبرة والشغف في مجاله ثم تحويله إلى رأسمال يضيف قيمة.  في دراسة أجريتها بالتعاون مع د. "رضوان شغري" - الأستاذ المشارك في جامعة الجنان في لبنان، بعنوان "أثر توظيف الموارد البشرية للشغف بالاختصاص على إبداع وتطور المؤسسات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، أجريت على عينة من 350 مشاركاً من (لبنــان، والســعودية، والإمــارات، والكويــت، وقطــر، والأردن، ومصــر، والجزائــر، وتونــس)، وامتدت لستة أشهر - وجدنا أن 44.9٪ من المشاركين يبحثون عن الخبرة في المرشح و31.4٪ يبحثون عن الشغف للعمل، ما يجعلنا نتوقف أمام هذه النسبة التي تقدم معياراً جديداً لعملية التوظيف، وهو الشغف الذي لا يمكن قياسه، بل يمكن استنتاجه من كلام المرشح وتعابيره عندما يتناول عمله بثقة وسعادة وانبهار.

من المهم أن نوظف بذكاء لنحصل على المرشح الأفضل مع بعض المميزات الأخرى، فمثلاً عندما نريد زيارة طبيب أسنان، لماذا نفضّل طبيباً عن آخر رغم أن الاثنين متخرجان في نفس الجامعة ولديهما نفس الخبرة ومؤشرات النجاح؟ الجواب: لأننا نبحث عما هو أكثر من مجرد خدمة أسنان. أنت تختار الطبيب المبتسم والمهندم واللبق وتتجاهل من هو عكس ذلك، وهذه معايير لا تتعلَّق بجودة الخدمة. في التوظيف الذكي، نجد المؤسسات توظف الأفضل من ذوي المعرفة والمهارات التي تتعدى مهارات القيام بالمهام الأساسية فقط، وذلك لكي تعظّم العائد على الاستثمار في التعيين. في نفس الدراسة وجدنا أن 64.9٪ من الباحثين عن الوظائف يهتمون بالراتب كمعيار أول لقبول عرض العمل، وهذا هو مكمن التوظيف الذكي.

عند مقابلة المرشح، على إدارة التوظيف اكتشاف مهارات ومواهب المرشحين التي تتعدَّى المعرفة والقدرة على أداء المهام الأساسية، وذلك للمفاضلة بين المرشحين واستخدام هذه المهارات والمواهب في مبادرات المؤسسة. أنا مثلاً أعمل في إدارة قياس الأداء ولديَّ بعض المهارات التي تتعدَّى المعرفة والقدرة على القيام بالوظيفة، مثل: تدريب بعض البرامج الإدارية والمهارات الحياتية، مع هواية استخدام برامج تعديل الفيديو ولديَّ أيضاً هواية الأبحاث الإدارية، وهذه المهارات قد تنفع المؤسسة التي أعمل بها في كثير من مبادراتها. على إدارة التوظيف أن تستخدم الذكاء في عملية التوظيف بإعطاء الموظف ما يهتم به كثيراً كالراتب والتدريب أو البدلات العينية والمحفزات، لأنها قد تحتاج إليه في بعض المهام المرتبطة بالمهارات والمواهب ونقاط القوة الكامنة لديه، فتوفر المؤسسة تكاليف توظيف عدة أشخاص لعدة مهام. ويجب على المؤسسة أن تعرف أن هذه المهارات ليست جزءاً من العمل، وأن التقصير فيها يكون أحياناً لمصلحة المهام الرئيسية، ولا يعد تقصيراً بتاتاً بل إدارة للأولويات.

خلال 9 أشهر من عام 2018 أجريت مقابلات عديدة مع عدد من الموظفين في مؤسسات عدة سعودية ولبنانية وكان محور المقابلة هو إمكانية مغادرة الموظف لعمله مع إيجاد أول فرصة عمل، وخلصت نتائج مقابلاتي إلى أن 230 من أصل 310 موظفين مستعدين لاقتناص أول فرصة عمل خارج الشركة، وأشار 78٪ من الـ230 موظفاً بأن مواهبهم غير مستغلَّة في عملهم الحالي ويمكنهم إعطاء المزيد من الإنجازات لو فتح لهم المجال لأعمال أخرى ومناصب أعلى.

استثمار المهارات الكامنة لدى الموظفين ووضعهم في الأماكن المناسبة لهم وتكليفهم بالمهام التي تناسب مهاراتهم وقدراتهم، تجعلهم أكثر إنتاجية وسعادة ورغبة في الإنجاز، وتقع هذه الاستراتيجية في صلب عمل إدارة الموارد البشرية لتعظيم العائد من الاستثمار في رأس المال البشري، كي لا تكون مجرد بيئة تدريب داخلية مدفوعة الأجر لبعض الموظفين الذين سيبحثون عن وظائف أخرى وبيئة عمل احترافية تضمن لهم تحقيق رغباتهم المهنية والتطويرية.

د. معتز جميل سوبجاكي

بقلم : د. معتز جميل سوبجاكي