الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

ما نوع ساعتك وما قيمتها؟

بقلم : نسيم الصمادي 2018-09-02

في محاضرة جديدة حول الشخصية والتميُّز قدمتها مؤخراً لإحدى مؤسسات دبي، استندت إلى كتاب "ماسلو" حول "التحفيز والشخصية"، وبدأت بحكاية بسيطة حدثت في اليوم السابق على متن الطائرة. كان المُضيف الأنيق يلف حول معصمه ساعة وهَّاجَةً ذهبية اللون، وعندما قدم وجبةَ الغداء قلت له: "أهنئك على اختيار هذه الساعة الجميلة"، فرد بثقة تُصاحبها ابتسامة: "اشتريتها بثلاثة دولارات من الصين. أنا مضطر إلى استخدام ساعة رخيصة لأن طبيعة عملي تُعرضها للكسر".

معظمنا إن لم نكن كلنا نملك أكثر من ساعة، وكثيراً ما نهجر إحداها لنستخدم الأخرى، وقد أوحت إليَّ ساعة المضيف الجميلة جداً والرخيصة جداً بالحديث عن ساعاتي الخمس.

  • الساعة الأولى اشتراها لي والدي قبل 50 عاماً، وقد احتفظت بها لطيب ذكراها، وربما أنها لم تعد تعمل، فهي مثل معظم الأشياء في حياتنا، ومثل بعض الناس، لا تؤدي عملها إن لم تُحركها وتَهزها أيضاً.
  • الساعة الثانية أهدتها إليَّ مجلة "فورتشن" الأمريكية عام 1995 بعد مرور 10 سنوات على اشتراكي فيها، وقد احتفظت بها وما زالت في درج مكتبي، وهي بالنسبة إليَّ (فقط) ترمز إلى الحظ والثروة وإلى علاقة عشق لتلك المجلة التي لم تنقطع علاقتي بها حتى اليوم.
  • الساعة الثالثة عملية ورخيصة اشتريتها من دبي بمائتي درهم، وهي تُسوّر معصمي أثناء العمل والسفر، وقليلاً ما أضعها جانباً، ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على استثماري فيها، ما زالت تقوم بواجبها، وهي تشبه كثيرين من زملائي المُنجزين الرائعين الذين يَعملون بصمت، ويُبرهنون عاماً بعد آخر أن أفعالهم تسبق أقوالهم، وعطاءاتهم تفوق طلباتهم.
  • الساعة الرابعة تحمل علامةً تجاريةً سويسريةً شهيرة، اشتريتها قبل عشرين عاماً، ودفعت فيها مبلغاً معتبراً يصعب نسيانُه، ولم أستعملها إلا مرات معدودات وفي مناسبات عابرةً. هذه الساعة تُشبه الموظف الذي يهتم بمظهره أكثر من مخبره، ويُسوّق نفسه أكثر من مؤسسته، ويستعرض إنجازاته بعد أن يخلطها بإنجازات زملائه ورؤسائه ومرؤوسيه.

الساعات الأربع السابقة كلها مفيدة، بعضها فقدت قيمتها العملية وحافظت على قيمتها المعنوية ودلالاتها الرمزية، وقد لعبت دورها وأثبتت جدواها وعكست معناها وحافظت على قيمتها في سياق المكان وظرف الزمان الذي لقيتها أو تلقيتها فيه، ورغم تفاوت قيمتِها وقِيَمها، فإنها تبقى ساعات لامعة من الخارج ومتحركة بسرعتها الكونية الثابتة التي لا أستطيع التحكم فيها، لا تقديماً ولا تأخيراً.

الساعة الحقيقية التي أقيس بها إيقاع حياتي وإحساسي بذاتي، هي البوصلة الداخلية التي لا يمكن لكل ساعات العالم ومؤشراته ومؤثراته تغيير اتجاهاتها، وصناعة قراراتها، والتلاعب بغاياتها، وتحديد نهاياتها.

ساعات يدك وجيبك وجوالك وسيارتك ومكتبك القديمة والجديدة؛ اصطناعية وتُحسب عليك. ساعتك الحقيقية؛ طبيعية وذاتية وجوهرية وأخلاقية، وتُحسب لك. ساعتك الذكية التي اشتريتها مؤخراً تُحدد زمانك وعنوانك ومكانك. ساعتك الداخلية تحدد مكانتك.

نسيم الصمادي

بقلم : نسيم الصمادي