اشترك لمؤسستك

الرئيسية / المقالات

قفص القوة

بين "محمد صلاح" و"إلون ماسك" و"بوتين"

بقلم : نسيم الصمادي 2022-05-29

في محاولة لفهم كيف يفكر "إيلون ماسك" بدأت أتابع تغريداته على "تويتر". وفي تغريدة أطلقها يوم 27 مايو 2022، صوَّرَ عصفور "تويتر" الأزرق داخل قفص، وقد فتح له الباب لينطلق حُراً. ظهر العصفورُ على حافة القفص يهم بالخروج، وكنت توقَّعت في مقال سابق أن يكون شراء "ماسك" لتويتر أكبر خطأ استثماري يرتكبه في حياته، وكأنه بإخراج العصفور يهيئ  قفصاً أكبر لنفسه، فهل سيدخل "ماسك"  قفص القوة الخادعة؟
في أواخر القرن الماضي تعرَّفتُ إلى صديق نجح بامتياز في تجارة السيارات، ثم تحول إلى التطوير العقاري وأبدع حتى لفت أنظار الجميع، لا سيما المنافسين الكبار، وعندما بدأت إمبراطوريته تتسع، بدأت الأقفاص، بل والأسوار وحدود الدول، تضيق عليه شيئاً فشيئاً.
قفص القوة تعبير مجازي عن فقدان الناجحين وعيهم بذواتهم، وابتعادهم عن أرض الواقع، فكلما ازددنا نجاحاً، اقتربنا من ارتكاب أخطاء كبيرة تتناسب مع تطلُّعاتنا، وهذا ما يُسميه "وارين بافيت" (الإلزام المؤسسي). مع الإلزام – وليس الالتزام، تبدأ مشروعاتُك وقراراتك تتحرَّك دون وعي منك، متسارعة بقوة الدفع، ومشدودة بحبال الثقة، ومحروسة بقرارات الخُبراء والزملاء الأذكياء الذين يعتمدون عليك، وينصَّاعون لك، وأنت تظن أنهم يقودونك في الاتجاه الصحيح، وليس إلى الهاوية.
في تقديري أن هذا ما حدث لـ"بوتين"، فلو كان قرأ سيرة "هتلر" جيداً، لاستعاد قليلاً من وعيه قبل أن يغرق في وحل أوكرانيا ويسقط في خنادقها. من المؤكد أن لكلٍّ من "بوتين" و"ماسك" مستشارين أذكياء، ولكنهم – في الغالب – يُسمِعون القيصر ما يُريد وكأنهم لا يرون "الامبراطور عارياً"، بل تُعميهم سُلطة الكُرسي والمال، فلا يكون من مصلحتهم أن يخدشوا عبقرية القائد.
في زمن الذكاء الاصطناعي والأقمار الاصطناعية الرخيصة، وخرائط "جوجل" التي تُعيد رسم معالِم العالم كل لحظة، والقنابل الزرقاء الأشد والأحدِّ من عيون زرقاء اليمامة، لم يعد لطائرات السوخوي والصواريخ الباليستية وآلاف الدبابات التي تملأ الحقول، ذلك الهدير المثير للرهبة.
متلازمة الإلزام المؤسسي وضغوط السُلطة لا تُصيب قادة الدول وقادة المؤسسات فقط، بل تَطال نجومَ الرياضة والفن والمؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، فكلما تعَمَّق النجاح في عقل النجم، والتفَّت ثقته بحبائل غروره، ابتعد عن الواقع، وغاب عن وعيه الذاتي، واقترب من وعي الصدمة.
تعمَّدت كتابة هذا المقال قبل ساعات من مباراة "ليفربول" و"ريال مدريد" الأخيرة، وفي ذهني تصريحات "محمد صلاح" وتهديده بالثأر من إصابته وهزيمة فريقه عام 2018. كان على "صلاح" أن يؤجلَ غضبَه ليفرغَه في الملعب، وليس في وسائل التواصل! لقد التزم مؤسسياً وشخصياً وإعلامياً بالنصر قبل أوانه، رغم أن كُرة القدم لعبة جماعية لا يقرِّر نتائجَها لاعب واحد! فحين تُسلَّط عليه أضواء الملعب، سيفقد تركيزه بالتدريج إن تأخَّر في إحراز الأهداف، وسيميلُ إلى تبرير عدم وفائه بالتزامه، بالاحتجاج أو الشكوى أو سوء الحظ، حتى لو تقدَّم فريقُه في المباراة بأهداف لم يُسجِّلها، حتى تنفيذَه لضربات الجزاء – إن حدثت – سيحمله تحديات لا طائل له بها.
كلما طال أمد الحرب الأوكرانية، حُشِر "بوتين" في قفص قوته أكثر، وإذا ما دخل "ماسك" في قفص "تويتر" فلن يخرج منه بسهولة، سيتضخَّم حجمه، ويتكالب عليه أعداؤه، وتخونه عبقريتُه. والسؤال هو: كيف يتخذ الحكماء قراراتِ التحوُّلات والطُموحات الكبرى، حين تبدو منطقيةً ومُلزمةً وضروريةً في اللحظات الحاسمة؟
  • استخدِم العدسة المكبرة؛ اخرج من القفص أو  الصندوق، وانظر إليه من الخارج، وأيضاً من أعلى.
  • اختبِر السيارة قبل أن تشتريها؛ لا تَقُدها أنت فقط، دع أحد الأصدقاء أو المستشارين أو السائقين يُجرِّبها أيضاً. كان بإمكان "بوتين" أن يقضم إقليماً صغيراً من أوكرانيا ويُفاوض على الباقي، وكان بإمكان "ماسك" أن ينضم إلى مجلس إدارة "تويتر" ويُفكِّك العلاقات المتشابكة قبل الاستحواذ المُطلق، وكان بإمكان "محمد صلاح" أن يصمت ويترك أقدامه ومهاراته الفنية تتكلم، وهكذا.
  • اسأل نفسك: ماذا كان سيفعل أكبر المنافسين لو واجه هذا الموقف واتخِذ نفس القرار؟
  • حلِّل البيئة الطبيعية والجيوسياسية واستَعِد بعض دروس التاريخ، وانظر في حدود الجغرافيا!
يمكن للانعتاق من قفص القوة، وكسر صندوق الثقة العمياء، والعودة إلى الواقع، والاستماع للناصحين، والامتثال لحكمة "لكلِّ مقامٍ مقال" أن يصنع فرقاً صغيراً أو كبيراً؛ وكثيراً ما رسم مثل هذا الفرق الخط الرفيع الفاصل بين الربح والخسارة.

بقلم : نسيم الصمادي