الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

الهروب إلى الماضي

بقلم : د/ ماجد الصمادي 2021-06-24

ثمة أشخاصٌ يعيشون بأجسادهم في القرن الواحد والعشرين، بينما ينتمي وعيُهم إلى قرون مضت، فالسعي لتوقيف الزمن والعيش في الماضي والهيام به لدرجة الهوس؛ في جزء منه، حالة عاطفية فردية، شخَّصها الطب الحديث كآلية دفاع لمقاومة الشعور بالانكسار، وفي جزء ليس باليسير؛ حالة تعكسُ عجزاً مؤسفاً في القدرة على عيش الحاضر، والإنجاز فيه، وتطويره والإسهام في صناعة المستقبل، ما يستدعي الهروبَ إلى الماضي تعويضاً عن بؤس الحاضر.
صحيح أن الماضي قد أسهم في صناعة الحاضر، ولا يمكن للطبيعة البشرية الانسلاخ عنه، إلا إنه شتَّان بين المقاربةِ الموضوعية والعقلانية المتفحِّصة للماضي، والناقدة له من أجل العبرة والعظةِ واستلهامِ الدروس لإثراء الحاضر وإنتاج المعرفة، وبين الهروب إلى الماضي والعيش فيه، واستدعاء الأموات من القبور والهوس بأفكارهم لتلتهم الحاضرَ وتعطِّل حركتَه، وتَشلُّ كل إمكانية لتكيُّف الإنسان مع الواقع، ومستجدات الحداثة والتأثير فيها.
الأمم الأخرى ليست بلا ماضٍ، بل لها تاريخٌ لا يقل عراقةً وريادةً وإنجازاً عن تاريخنا العربي، لكن تلك الأمم لا تُضفي التقديسَ على كل الماضي القريب والبعيد، كما نفعلُ نحن، لندفع الأجيال إلى الإحباط والتواكل، ونؤسِّسَ لثقافة "هجاء الواقع" وإدانته، فنخسر الحاضر والمستقبل معاً، ما دمنا نبني خطابنا على الماضي بدلاً من المستقبل، ونُجذِّر في الوعي الجمعي قناعةً وهوساً نفسياً بأن الحلولَ ما زالت في أيدي الأموات، وليست مسؤوليتنا نحن!
الذاكرةُ البشرية ليست تسجيلاً توثيقياً للماضي لأنها بطبيعتها انتقائية، والحنين إلى الماضي المعيش ينزع من الماضي آلامه وجراحه ومآسيه، فهو استعادةٌ للفصل الأجمل من الحكاية، وحالة ذهنية وهمية جميلة موجودة في الخيال فقط، تُصوِّر الماضي بشكلٍ لامعٍ ومبالغٍ فيه.
الأخطر من الحنين العاطفي إلى الماضي الشخصي المعيش، هو الهروب الكامل إلى الماضي غير المعيش، وتمجيد الذات وتضخيمها استناداً إلى شخصيات تاريخية، يُنسب إليها الفضل في بطولاتٍ قديمةٍ، حتى ولو صنعها السلف حقاً، فلا تجوز المتاجرة بها من قبلنا، وإعفاء أنفسنا من مسؤولية البناء على إرثها والإضافة إلى الحاضر كما فعلوا هم، لأنهم لو كانوا قد هاموا بماضيهم وكرَّسوا حياتهم لتقديسه، لما كان لنا مثل هذا التفاخر بإرثهم ومجدهم.   
إنها حالة العجز التام عن صناعة حاضر مختلف، وحالة انهزام تجرنا إلى الماضي لنعيش فيه، لا لنفيد من دروسه، حالة خطرة نسترجع فيها مواضيَ متناقضة (جمع ماضٍ) على أسسٍ عرقية وقبلية ومذهبية؛ حيث تستدعي المكوناتُ السكانية المعاصرة، صُوراً عن الماضي بما يجعل مواضيها، بما تخلع عليه من قداسة، سبباً إضافياً لصراعات اجتماعية وسياسية لا نهاية لها.
 من المؤسف أن حالة الهروب هذه، مُرشَّحة للاستمرار كما يبدو من المشهد العربي الحالي، وستظل مجتمعاتُنا عالقةً هناك ذاهلةً عن الحاضر، مصرةً على هزيمة المستقبل، ما دمنا نفتقر إلى الشجاعة لتحدِّي الواقع بلغته وأدواته، والتخلص من الزيف والأوهام التي تُنسج عن الماضي، والاشتباك مع  الحياة كنهرٍ متدفق لا يتوقف، ولا يرجع إلى الوراء، وهنا يتلخَّص دورنا في رسم وتحسين مسارات هذا النهر، لا الجلوس على ضفافه، والتحديق في حُطام الماضي والبكاء على أطلاله.

بقلم : د/ ماجد الصمادي