الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

عقيدة الصدمة والانقلاب على منظومة القيم الاجتماعية العالمية

بقلم : د. عبد الفتاح العجلوني 2020-06-29

جائحة "كورونا"ملأت الدنيا وشغلت الناس وسيطرت على منصات التواصل الاجتماعي بطرحها لنظرية المؤامرة؛هل هي وباء طبيعي أم مفتعل؟ من وراءها؟ وكيف ستنتهي؟ بينما غاب التركيز على الجوانب الخفية التي تخللت الجائحة، وتأثيرها على التحولات السلوكية التي طالت أنماط حياتنا خلال مرحلة "كورونا" وما بعدها.
 
غدت الكثير من السلوكيات السلبية مقبولة عالمياً؛ فأصبح العقوق وعدم زيارة الولدين أمراً طبيعياً، وكذلك قطع علاقتنا بأصدقائنا عند الاشتباه بإصابتهم، وأن ندفع أبناءنا لقضاء الوقت في الألعاب الإلكترونية، وحثهم على التباعد الاجتماعي، والشك في تفاعلات التواصل الإنساني بغض النظر عن انعكاساتها المستقبلية السلبية.
انبثق مفهوم عقيدة الصدمة في منتصف القرن العشرين من خلال ممارسات عالم النفس الكندي "دونالد كاميرون" الذي عمد إلى معالجة مرضاه بالصدمة، بهدف مسح الذاكرة القديمة وما تختزنه من قناعات، وإعادة مخ الإنسان إلى صفحة بيضاء لتسهيل إعادة تكوينه وتوجيهه. وتم تمويل أبحاثه من الاستخبارات الأمريكية التي تبنت هذا الطرح مع السجناء. ثم ظهر المفكر الاقتصادي "ملتون فريدمان" وطبق النظرية على الممارسات الاقتصادية بتوظيف الجانب النفسي لصدمات الكوارث وابتداع تغيرات جذرية لتعزيز اقتصادات الأسواق الحرة. طبق "فريدمان" هذه الممارسات بدايةً في تشيلي عندما عمل مستشاراً للجنرال "بينوشيه" الذي قاد انقلاباً عسكرياً، فوجدها فرصةً ذهبيةً لاستغلال الصدمة وخصخصة القطاعات للحد من تدخل الحكومة في إدارة الاقتصاد والرعاية الاجتماعية. انتشرت أفكار "فريدمان" أكثر عندما تبناها الرئيس الأمريكي "رونالد ريغان" فصارت المحرك الرئيس للسياسة الأمريكية. وفي كتابها "عقيدة الصدمة" شرحت "ناعومي كلاين" التفاصيل الدقيقة لتلك النظرية المستجدة في الاقتصاد السلوكي.
 
وهاهو التاريخ يعيد نفسه ولكن في توظيف الصدمات لتغيير منظومة القيم الأخلاقية والروابط الاجتماعية في العالم. ففي ضوء الجائحة الوبائية التي شكلت صدمة جماعية واسعة النطاق، استغل أشياع هذه النظرية الظروف لمسح ذاكرة الشعوب، وقلبها بفتح صفحات بيضاء في ذاكرة المجتمعات وتغيير القناعات الشخصية والأسرية وغرس ثقافة جديدة.
بدأ التغيير بصدمات جماعية وطروحات منطقية يتقبلها العقل والعاطفة. فجرى تشوية مبدأ التعاطف في النظرة للمصاب بـ"كورونا" باعتباره آفة، والجزم بضرورة حجره وتهميشه نفسياً وعزله اجتماعياً، وتم رفض مبدأ التراحم الأسري وبر الوالدين وذوي الهمم بحجة الخوف على سلامتهم، ثم تغييب المودة والاحترام ومبدأ مساعدة الآخر ين فأضحى من الصعب مساعدة المحتاجين مالياً باعتبار النقود الورقية خطراً ومصدراً لتفشي الفيروس.
 
كان لا بد لنجاح الصدمة، من بث الذعر وسيطرة أجواء الجائحة على كل مناحي الحياة، من دون اهتمام بآراء علماء النفس والتربية والتنمية البشرية. وعزى الإعلام الغربي والمنظمات الدولية أسباب التفشي إلى ضعف الالتزام بالتعليمات المخالفة للقيم الجديدة مثل الزيارات العائلية وزيارة كبار السن أو عدم تطبيق التباعد الاجتماعي (التي تعد سبباً حقيقياً لزيادة الحالات)، في حين لم يتم التحذير من الممارسات غير الأخلاقية واللقاءات غير الشرعية ضمن منظومة القيم قبل "كورونا". لقد أصبح عدَّاد الذعر (إحصائيات منظمة الصحة العالمية) الشغل الشاغل للجميع.
وفي ظل حرصنا على الممارسات الطبيعية، تم البحث عن بديل وبرزت حتمية اللجوء إلى نمط جديد للحياة عبر المنفذ الآمن، وهو أن نعيش ونفعل كل شيء عن بُعد حتى لا تتوقف الحياة بالكامل. 
وهكذا، صارت المنصات الإلكترونية مجانية منذ اليوم الأول للجائحة. واجتهدت المؤسسات والدول في إيجاد حلول ومنتجات ترسخ مبدأ التحول الكامل نحو "الحياة عن بُعد" كأسلوب حياة دائم. وستتيح هذه التقنيات الفرصة لمستغلي الصدمة في إحكام السيطرة على العالم؛ فكل شيء سيتم عن بُعد، وكل النظم والأنظمة وقواعد البيانات ستصبح عُرضة للاختراق والتجسس.
 
ولكن هناك دول تنبهت للعديد من تلك الممارسات وضربت مثلاً يحتذى به. فعلى المستوى العربي نجد دولة الإمارات العربية المتحدة وهي من رواد التحول الرقمي منذ سنوات طويلة، لم تفاجأ بالنمط الجديد كونه نمط حياة مخطط له مُسبقاً. تنبهت دولة الإمارات، للعديد من الطروحات تمثل مفهوم التباعد الاجتماعي واستبدلته بمصطلح "التباعد الجسدي"، وحضَّت على زيارة ورعاية كبار السن، ووفرت الجو الآمن والرعاية للمصابين وأسرهم، وعززت ثقافة الحذر في إدارتها للأزمة وحملاتها التوعوية وتقييد حركة التنقل وفتح الأسواق والسماح لكبار السن بدخول الأماكن العامة، ما جعل نسبة الالتزام بالتعليمات في دولة الإمارات من أعلى النسب عالمياً.
 
من المؤكد أن جائحة "كورونا" وباء عالمي يحصد يومياً أرواحاً كثيرة ما لم نتبع خطوات احترازية صارمة، ولكن لا بد من النظر إلى تلك الممارسات كمرحلة مؤقتة، مع اعتبار التحول الرقمي مطلباً مهماً لتطوير الدول من دون الانجراف والتطرف بجعله منهجاً ونمطاً حياتياً بديلاً عن الحياة الاجتماعية؛ ذات النظرية الإنسانية التفاعلية، واللمسة الاجتماعية والقرارات الاقتصادية الذكية.
 
https://www.youtube.com/watch?v=t2eQH7CtNr8&feature=share                 
 
 

بقلم : د. عبد الفتاح العجلوني