الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

نفايات التحفيز

بقلم : أشرف غريب 2019-04-15

ألا نرغب أحياناً في الاستماع إلى الرسائل التحفيزية أو الإيجابية في الأوقات الحرجة من الأزمات التي نعايشها، ولا شك في أن لمثل هذه الرسالة دوراً في تحفيز الملايين من الناس، لكن في مراحل من الحياة لا تُجدي تلك الرسائل الإيجابية، وقد تسفر عن آثار أكثر سلبية، وتتحول من محفزات إلى مثبطات.


شاهد ملايين من المتابعين العرب برنامج "خواطر" وتأثر جزءٌ منهم بعديد من حلقاته، لكن كثيرين أيضاً لم يعجبهم البرنامج ورفضوا فكرة التحفيز والتثقيف التي جاء بها أحمد الشقيري، رغم أن الفكرة التي أبدعها الشقيري أعجبت كثيرين، ويطرأ هنا سؤال مهم: لماذا رفض بعض الناس فكرة التحفيز؟ 


 يقول سبحانه وتعالى في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، وهذه دعوة للتحفيز الإيجابي، وفي سورة التوبة يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ  وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فلماذا نشعر بالاستياء تجاه التحفيز أحياناً؟
تكمن المشكلة في حالة المتلقي ساعة العرض، حين تجتهد لتعليم شخص فن الصيد، في الوقت الذي يحاول فيه نسيان عارض ألمَّ به، ستكون مهارة الصيد النافعة جداً غير ذات معنى، فيحدث تعارض بين العرض (المميز من وجهة نظر المحفز)، والطلب (البسيط جدّاً من وجهة نظر المتلقي)، وعلينا البحث هنا عن حاجة المتلقي والتركيز عليها وتحقيقها.


 يخفق الوالدان في امتحان يتكرر في التربية مع الأبناء حين يسعيان إلى تلقين الأبناء دروس الحياة في وقت يعيش فيه الأبناء مشكلات عاطفية أو اجتماعية، فتخفق كل حالات النصح، ويتكرر هذا مع المرشدين والدعاة وحتى الحكماء حين تتمحور الرسائل حول الإيجابية في وقتٍ يعيش فيه المجتمع مشكلاتٍ اقتصادية أو يشهد تحولات سياسية.


تصبح الرسائل التحفيزية كالنفايات لا يقبلها أحد حين تكتفي بالتنظير، بينما يتطلب الموقف حلولاً إبداعية لمشكلات واقعية، وعلينا هنا مراجعة النصائح والرسائل التحفيزية لنتذكر الرسائل الإيجابية وطريقة تقديمها في سورة الشرح ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) ووَضَعْنَا عَنْكَ وزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾ بدأت الرسائل بالتذكير بالحالة الإيجابية التي يعيشها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ثم تأكيد اليسر من الله مع كل عسر، وجاءت بعدها إشارة لما يمكن فعله لتجاوز المحنة، وكان ملخص الرسالة الإيجابية أن مع العسر يسرين. لقد جاءت الرسالة بين قوسين، الأول بذكر الواقع الإيجابي، والقوس الأخير يصف العمل الذي يمكننا القيام به لنتمكن من الصبر على العسر حتى يأتي اليُسر.


التحفيز مهم بلا شك لكننا بحاجة إلى حلول مصاحبة له، وعلينا هنا البحث عن المشكلات والتركيز على إيجاد حلول بعيدة عن النظريات والدروس والشواهد التي نؤمن بها لكننا غير مستعدين لتلقي مزيد منها في وقت الأزمة، فحين تشتد الأزمة لن أكون متهيئاً لتلقي النصح، ولا تعلم الصيد، ولا شيء سوى أن أجد القشة التي يمكنني أن أتعلق بها حتى أخرج من مشكلتي.
يرتع في العالم العربي اليوم أكثر الآلاف ممن يدعون القدرة على التحفيز ونشر الإيجابية. معظمهم يرفعون رايات تطوير الذات والتنمية البشرية والحكمة والخبرة الإعلامية، ومنهم من يصف نفسه بالخبير والأخصائي والمعالج والدكتور، بينما يعيش العالم العربي مشكلاتٍ اقتصاديةً وتربويةً واجتماعيةً ونفسيةً وسياسيةً وأخلاقيةً بلا حدود، ما يعني أننا بحاجة إلى عرض واضح لمشكلاتنا الحقيقية ثم تفصيل الحلول العملية.


أرى أن التحفيز اليوم مثل النفايات، رغم أنني كنت من المنادين به، فإنني أدركت أن الحلول العملية لمشكلاتنا أولى وأهم، فنحن بحاجة إلى من يقدمون ابتكارات وحلولاً تطبيقية لمشكلاتنا، وسيكون هذا أفضل تحفيز نعيشه ونقبله في هذا الزمن الصعب.

بقلم : أشرف غريب