الأعداد المجانية

الرئيسية / المقالات

هناك فارق بين التسامح والسماح

بقلم : نسيم الصمادي 2019-01-02

السماح يعني التنازل، والتسامح يعني القبول. السماح قد يعني الضعف، والتسامح لا يعني إلا القوة. السماح فعل آني ولحظي يرتبط بالموقف، والتسامح قيمة عُليا وسلوك إنساني مطلق ينبثق من مبادئ سامية. السماح يعني الصفح والمغفرة والقبول بحل وسط، ويتم بعد حدث معين، وبمقابل مادي أو معنوي، وبناء على طلب خارجي أو نتيجة لعملية تفاوض. والتسامح فلسفة حياة ومبدأ كوني راسخ نمارسه كأفراد ومجتمعات، ومن يدركون معناه يعرفون أنهم لا يملكون حق رفضه أو تجاهله؛ لأنه قيمة مطلقة مثل الحب والحرية والحق والخير والجمال.

 

التسامح صفة إلهية عظيمة مرتبطة بكل أسماء الله الحسنى، وهي مُلزمة دينياً وأخلاقياً لكل الناس في كل الظروف، فعندما ندعو الله صادقين فإنه يستجيب لنا لأن الصدق والرحمة صفات عليا. أما السماح والصفح فهما سلوكان اختياريان متكرران يعتمدان على ردود أفعال الإنسان التي قد تكون ناقصة وسلبية وضارة ببني البشر وبالحياة والبيئة وكل المخلوقات. التسامح أسلوب تفكير غير مشروط لأنه ينبع من الضمير، وترجمته Tolerance، وهو بلا حدود. بينما يخضعُ السماحُ لشروط ومقاييس إنسانية تعتمد على الموقف وتختلف من إنسان إلى آخر، وترجمته Forgiveness. السماح والعفو حقان إنسانيان، بينما التسامح مبدأ كوني لا يملك الإنسان حق رفضه أو حجبه أو طلب مقابل له، فإما أن نكون متسامحين أو لا نكون. نستطيع أن نمنح الأعداء والأصدقاء والإخوة والأبناء والأحباب والأغراب هامشاً لارتكاب الأخطاء، ومن حقنا أن نصفح عنهم أحياناً، ونعاقبهم أحياناً أخرى، أو نحرمهم من بعض حقوقهم إذا ما كرروا أخطاءهم، ولهذا نقرر أحياناً معاقبة بعض الخطائين رغم حبنا لهم، ورغم توقيع العقوبات عليهم وإجبارهم على دفع الثمن، فإن هوامش التسامح معهم تبقى ثابتة لا تتزعزع، فقد نغفر لهم زلاتهم رغم اقتناعنا بعدم براءتهم.

 

السماح هو الاستثناء، والتسامح هو القاعدة. يستطيع "دونالد ترامب" مثلاً أن يصفح عن المجرمين ويسامح مخالفي القانون، لكنه يبقى لا متسامحاً من حيث المبدأ، لأنه يخالف قواعد الحق والحرية والحب والحياة. دائماً يختلف "ترامب" مع معظم من يتعاملون معه، لأنه يسمح مجبراً ولا يتسامح مخيراً. حتى المحامي الذي اختاره لمواجهة المحقق "مولر" اعتذر عن مواصلة الدفاع عنه مقتنعاً أن "ترامب" لم يتواطأ مع روسيا بشكل مباشر، ولكن - كما جاء في كتاب "الخوف" الذي نشره الصحفي الشهير "بوب وودوارد" - كان هناك خطأ مأساوي في الرجل وفي رئاسته، ففي كل تغريداته ومراوغاته نجده يُعاني من أزمة ذاتية جوهرية لأنه يكذب، ما جعلَ الخوفَ استراتيجيته الأولى في إدارة البيت الابيض، وما لا يعرفه كثيرون هو أن الخوف نقيض الحب وليس نقيض الشجاعة. ينتج الخوف عن عدم الإحساس بالأمان وفقدان الثقة بالإنسان، وهو سلوك دفاعي سلبي يقود صاحبه بالضرورة إلى التمييز والتعصب وغياب المعايير وتأرجح الموازين.

 

كتبتُ في عام 2010 مقالاً مطولاً عن فيلم "أفاتار" للمخرج العالمي "جيمس كاميرون". في حوار عميق وعظيم بين بطلي الفيلم كانت تحية اللقاء الأولى "أنا أراك" I See You، وتعني: أراك ببصيرتي قبل بصري، وبروحي قبل عيني وبقلبي قبل عقلي، وهي لا تختلف عن تحية السلام في الإسلام التي نتبادلها كل يوم. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" رسالة حب وسلام تقول للآخر: "أنا أقبلك وأحبك واعترف بك وأتسامح معك ليباركنا الله جميعاً، فيحل الحب والسلام مكان الخوف والخصام، وهذا ما قاله وعناه "كاميرن" في فيلمه التاريخي "أفاتار".

 

والآن، انظر في المرآة وخاطب ظلك الإيجابي وجمالَك الداخلي وجوهرك النقي والقوي، ورابطك المتين مع العالم، وقل "لك" وأنت تبتسم: "أنا أراك"، فلن تستطيع هزيمة خوفك الخارجي والاعتراف بالآخر، قبل أن تهزم ضعفك وشكوكك وظلَّك الأسود، وتعترف بذاتك.

بقلم: نسيم الصمادي

بقلم نسيم الصمادي